”أمن البشريـة”.. مطلـب مشــروع أم شعـار تسويقـي في ســوق الأسهـم؟!
اتخذت السباقات التكنولوجية المحمومة حول الذكاء الاصطناعي منعرجا مغايرا بعد الدعوة غير المتوقعة التي أطلقتها شركة “أنثروبيك” (Anthropic) الأمريكية لإرساء آلية تنسيق دولية تتيح كبح جماح تطوير النماذج الأكثر تقدما، محذرة من مغبة “فقدان السيطرة” على المنظومات الذكية المستقبلية، في خطوة تأتي في غمرة تجاذبات جيوسياسية واقتصادية حادة بين القوتين الكبريين، الولايات المتحدة والصين.
وفي وثيقة صادرة عن مركز أبحاث “معهد أنثروبيك”، اقترحت الشركة إيجاد ما يشبه “دواسة فرامل” عالمية تسمح بالإيقاف المؤقت أو إبطاء وتيرة تطوير الأنظمة الذكية فائقة القدرة، وقالت إن هذا المقترح الاستباقي يهدف إلى منح الهياكل المجتمعية ومراكز بحوث “المحايثة” فرصة حقيقية لمواكبة القفزات التقنية المتسارعة وتفادي السيناريوهات القاتمة.
ويأتي هذا الموقف ليعكس التناقض الصارخ الذي يعيشه قطاع التكنولوجيا؛ إذ تتزامن دعوة التهدئة هذه مع طفرة مالية غير مسبوقة للشركة نفسها، فقد تضاعفت قيمتها السوقية ثلاث مرات في ظرف ثلاثة أشهر مع بدء إجراءات إدراجها في البورصة، في وقت يستعد فيه عملاق الفضاء “سبيس إكس” (SpaceX) الحاضن لمختبر (xAI) التابع لإيلون ماسك، لتدشين أكبر عملية طرح بورصي في التاريخ.
وتصر الشركة المطورة لنماذج “كلود” (Claude) على أن نجاح هذا الطوق الرقابي مشروط بـ«تنسيق دولي وثيق”، لمنع أي طرف من استغلال التباطؤ الجماعي لتحقيق تفوق استراتيجي أحادي، وحسب المؤسس المشارك للمختبر، جاك كلارك، فإن صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم تشبه طفرة قطاع النفط في بدايات القرن العشرين، وقال: “إن القطاع يسير حاليا بدواسة سرعة قصوى دون امتلاك دواسة فرامل واحدة”.
وللدفاع عن مشروعية مقترحها، استحضرت “أنثروبيك” نماذج تاريخية من حقبة الحرب الباردة، على غرار “معاهدة القوات النووية متوسطة المدى”، لتعترف بأن معضلة الذكاء الاصطناعي تبدو أكثر تعقيدا، لكونها تكنولوجيا “غير مرئية” ويصعب رصدها مقارنة بصوامع الصواريخ النووية التقليدية.
ورغم البعد الأخلاقي للمبادرة، تواجه “أنثروبيك” التي أسسها منشقون عن غريمتها “أوبن آي” (OpenAI)، انتقادات لاذعة من أطراف سياسية ومنافسين تجاريين يتهمونها بالمبالغة في تضخيم المخاطر وممارسة “تسويق الخوف” لغايات تموقعية.
وتسند الشركة مخاوفها إلى فرضية علمية تعرف بـ«التحسين الذاتي المتكرر” (Auto-amélioration récursive)، وهي مرحلة متقدمة تصبح فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تطوير وتدريب أجيال جديدة من الآلات ذاتيا، وبأقل تدخل بشري، وهو سيناريو يحمل وعودا طبية واقتصادية هائلة، لكنه يفتح الباب على مصراعيه لـ«فقدان السيطرة البشرية”.
وعلى الصعيد السياسي، يصطدم هذا المقترح بمعارضة شرسة داخل أروقة القرار في واشنطن، حيث يرى جناح الصقور بالإدارة الأمريكية وفي قطاع التكنولوجيا، أن أي تباطؤ أمريكي سيمثل “هدية استراتيجية” مجانية لبكين، كي تبسط هيمنتها على هذا القطاع الحيوي. وفي السياق، جاء المرسوم الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب مؤخرا ليرسم حدودا تنظيمية لنماذج الذكاء الاصطناعي، ولكن على قاعدة “تطوعية وحصرية”، مفضلا عدم إلزام المكاتب الأمريكية بأي قيود قد تعيق تنافسيتها الجيوسياسية.
وتتعدى خلفيات دعوة “أنثروبيك” الطابع “الحمائي” المعلن، لتكشف عن أبعاد بنيوية واستراتيجية هامة، فهي تتضمن ما يمكن وصفه بـ«مفارقة الأخلاق والرأسمالية المتوحشة”، وهي تبرز هنا جلية؛ إذ كيف يعقل أن تهرول شركة تكنولوجية نحو الاكتتاب العام في البورصة (IPO) وتراكم المليارات، ثم تطالب بكبح جماح السوق؟!
ويرى متابعون أن هذا التموقع الأخلاقي لـ«أنثروبيك” يمثل أداة للتسويق المتمايز (Differentiated Marketing) يهدف إلى إظهار الشركة كـ«بديل آمن ومسؤول”، في مقابل اندفاع “أوبن آي” و«إكس أيه آي”، ما يمنحها جاذبية استثمارية خاصة لدى الصناديق التي تشترط معايير الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية.
ويمكن قراءة المطالبة بالتقنين الدولي كـ«حيلة تنظيمية” كلاسيكية؛ فالشركات الكبرى التي بلغت مرحلة النضج التكنولوجي تطالب بفرض قيود وتشريعات صارمة ومعقدة تحت مسمى “السلامة”، ما يؤدي عمليا إلى خنق الشركات الناشئة (Startups) والجامعات ومراكز الأبحاث المفتوحة المصدر التي لن تتوفر على الإمكانات المالية واللوجيستية للامتثال لهذه المعايير الصارمة، وبذلك يضمن العمالقة الحاليون احتكار السوق، ثم إن تشبيه الذكاء الاصطناعي بالسلاح النووي يتجاهل طبيعة التكنولوجيا ذاتها؛ فالطاقة النووية تتطلّب يورانيوم ومفاعلات ضخمة يسهل على الدول ومجالس الأمن مراقبتها، بينما يرتكز الذكاء الاصطناعي على أسطر برمجية خوارزمية (Code) وخوادم موزعة يمكن نقلها وإخفاؤها بمرونة فائقة، ويجعل هذا التباين البنيوي من فكرة “الفرامل الدولية المشتركة” وهما ديبلوماسيا في ظل غياب الثقة المطلقة بين المحورين الغربي والآسيوي.
يبدو أن مبادرة “أنثروبيك” تعكس عمق المعضلة العصرية: فالجميع يدرك خطورة المنحنى الأسّي لتطور الآلة، لكن “أسرى المعضلة الأمنية” في واشنطن وبكين، يرفضون ضغط المكابح، خشية أن يسبقهم المنافس إلى خط النهاية، ما يجعل من “دواسة الفرامل” مجرد شعار أخلاقي في عالم تحكمه البراغماتية الجيوسياسية الصرفة.



