قدرة على الإسهام في الجهود الدولية لمواجهة التحديـــات المناخيــــــة
موقع استراتيجي وإمكانات كبيرة في الطاقة المتجدّدة وقدرات صناعيــة
الاستثمار في الطاقات النظيفة والزراعة الذكية أحد أنجــــع الحلــول
فتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية الوطنيـــة
أشاد رئيس الجمعية العامة ومجلس إدارة المعهد العالمي للنمو الأخضر، والأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، أمس، بالتزام الجزائر بمسار التنمية الخضراء المستدامة، مؤكّدا أنها تعتبر «رائدا في المنطقة» و»بطلا للتعاون جنوب-جنوب»، وقادرة على الإسهام بفعالية في الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة التحديات المناخية.
نوّه بان كي مون بانضمام الجزائر إلى المعهد العالمي للنمو الأخضر، معتبرا أنّ هذه الخطوة ستسمح لها بتقاسم تجربتها في مجالي التنمية المستدامة والطاقات المتجدّدة مع الدول الأعضاء في هذه المنظمة الدولية.
وجاءت تصريحات المسؤول الأممي السابق خلال محاضرة ألقاها بمقر وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، بعنوان: «تعزيز شراكات النمو الأخضر: مواجهة أزمة الاستدامة وتقوية التعاون الدولي في مجال تغيّر المناخ».
ووجّه بان كي مون، بصفته رئيس الجمعية العامة ومجلس إدارة المعهد العالمي للنمو الأخضر، شكره للحكومة الجزائرية، ممثلة في وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، على تنظيم ما وصفه بـ»الحدث الاستثنائي».
وقال في هذا السياق: «أشعر وكأنني أتحدث إليكم من مقر الأمم المتحدة، لأنكم تمثلون مختلف دول العالم»، مبرزا أهمية انضمام الجزائر إلى المعهد الذي افتتح، أمس، مكتبا له بالجزائر العاصمة.
وأكّد أنّ انضمام الجزائر باعتبارها العضو الثاني والخمسين في المعهد «يمثل التزاما قويا بالتنمية المستدامة والعمل المناخي، ويفتح فصلا جديدا في شراكتنا». كما أوضح أنّ المعهد، رغم كونه مؤسّسة دولية محدودة الحجم، تمكّن من حشد تمويلات بقيمة 11 مليار دولار، وهو مستعد لدعم الأولويات التي تحدّدها الجزائر وإقامة شراكات مع مختلف الفاعلين الاقتصاديّين والمؤسّساتيّين، بما يفتح آفاقا جديدة للنمو الاقتصادي ويساهم في تحقيق أهداف التنمية الوطنية.
وأضاف أنّ المعهد يتطلّع إلى بناء شراكات قوية مع المؤسّسات الحكومية الجزائرية، والمساهمة في استحداث فرص جديدة تدعم النمو الاقتصادي وتعزّز القدرة على مواجهة التحديات، وتساعد على تحقيق أهداف التنمية طويلة المدى.
وفي محاضرته، أبرز بان كي مون الأهمية الاستراتيجية للنمو الأخضر، ودور التعاون الدولي في التصدي للتغيّرات المناخية، مؤكّدا ضرورة التعامل بجدية مع التحديات البيئية التي تواجه العالم.
العالم بأسره مهدّد
أوضح المتحدث أنّ العالم يواجه أزمات متفاقمة، على غرار الاحتباس الحراري، وما ينجم عنه من جفاف وشحّ في الموارد المائية، مشدّدا على أنّ آثار هذه الظواهر لا تستثني أي دولة.
وأضاف أنّ مشكلات معقّدة، مثل التصحّر، تهدّد مستقبل البشرية وتنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية، ما يستدعي تعزيز قدرات المؤسّسات والاقتصادات الوطنية لمواجهتها. كما أشار إلى أنّ الأوضاع المناخية الراهنة ترتبط بحالة عدم الاستقرار الجيوسياسي، الأمر الذي يفاقم التوترات في الأسواق العالمية ويستدعي استثمارات إضافية للتخفيف من آثارها.
وقال: «إنّ أزمة المناخ قضية اقتصادية وتنموية وأمنية عالمية تمسّ الجميع». وأضاف أنّ أي دولة، مهما بلغت قوتها وإمكاناتها، لا تستطيع تجاهل هذه التحديات، مؤكّدا ضرورة العمل الجماعي والتحرّك السريع لمواجهتها. كما أشار إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية والصين تتحمّلان معا نحو 34 بالمائة من الانبعاثات الغازية المسبّبة للاحتباس الحراري، مقابل 65 بالمائة لبقية دول العالم.
ودافع بان كي مون عن خيار الاقتصاد الأخضر، لاسيما الاستثمار في الطاقات النظيفة والزراعة الذكية، باعتباره أحد أنجع الحلول للتخفيف من آثار التغيرات المناخية.
كما شدّد على أهمية توفر الإرادة السياسية لدى قادة العالم، باعتبارها العامل الحاسم في توحيد الجهود وتعزيز النمو الاقتصادي وحماية المجتمعات وتحقيق الأمن والاستقرار.
وأكّد أنّ النمو الأخضر القائم على التكنولوجيا وتنويع الاقتصادات يتلاءم بشكل خاص مع احتياجات القارة الإفريقية، مشيرا إلى أنّ الجزائر تبرز في هذا المجال من خلال مواقفها الداعمة لهذه التوجّهات وسعيها لتطوير قدراتها في الطاقات المتجدّدة.
وقال إنّ الجزائر «تتمتّع بموقع فريد يؤهّلها للمساهمة في هذا التحول، بفضل موقعها الاستراتيجي وإمكاناتها الكبيرة في مجال الطاقة المتجدّدة وقدراتها الصناعية ودورها الريادي في المنطقة، ما يوفّر أسسا متينة لدفع عجلة النمو الأخضر».
وأضاف أنّ الاقتصادات النامية والناشئة تملك فرصا كبيرة للاستفادة من هذا التحول، لأنّ النمو الأخضر يسمح لها بتجاوز النماذج التنموية التقليدية وبناء اقتصادات أكثر حداثة وتنوّعا وقدرة على التكيّف مع التحولات العالمية المتسارعة.
وأشار إلى أنّ المعهد العالمي للنمو الأخضر يضطلع بدور محوري في هذا المسار، من خلال دعم الحكومات ومرافقتها في تنفيذ مشاريع التنمية المستدامة وتعبئة الموارد المالية اللازمة لمواجهة التحديات البيئية.
وكشف أنّ المعهد، منذ تأسيسه سنة 2012، ساهم في حشد أكثر من 18 مليار دولار من الاستثمارات الخضراء، وعمل مع العديد من الحكومات على تطوير حلول عملية في مجالات الطاقة المتجدّدة، والمدن المستدامة، والزراعة الذكية مناخيا، وإعادة التشجير، وإدارة الموارد المائية، والاقتصاد الدائري.
واعتبر أنّ نجاح المبادرات المرتبطة بالاستثمارات الخضراء يتطلّب انخراطا مجتمعيا واسعا، وتعزيزا للتنسيق بين قادة الدول، إلى جانب تشجيع نقل التكنولوجيا وتقاسم الخبرات في إطار التعاون جنوب-جنوب.
وفي هذا السياق، أكّد بان كي مون أنّ الجزائر تعد «فاعلا دبلوماسيا مهما في العالم العربي وحوض المتوسط، وبطلا للتعاون جنوب-جنوب، ولها تقاليد راسخة في تشجيع الحوار من أجل تحقيق التنمية والنمو المستدامين».


