متابعة تنظيمية دقيقـة مـــن المؤطّريـن لضمــان السـير الحسن للامتحــان
شهد اليوم الرابع من امتحانات شهادة البكالوريا دورة 2026 اجتياز المترشّحين عبر مختلف مراكز الإجراء لاختباري التاريخ والجغرافيا، في أجواء اتّسمت بالهدوء والانضباط، وسط متابعة تنظيمية دقيقة من المؤطّرين لضمان السير الحسن لهذا الموعد التربوي الهام. وقد شكّلت المواضيع المطروحة محور نقاش واسع بين التلاميذ والأساتذة مباشرة بعد الخروج من قاعات الامتحان، في ظل تباين الانطباعات حول طبيعة الأسئلة من شعبة إلى أخرى.
أجمع عدد من المترشّحين على أنّ الأسئلة جاءت واضحة من حيث الصياغة وخالية من الغموض، غير أنها اعتمدت بدرجات متفاوتة على التحليل والاستنتاج وتوظيف المعارف المكتسبة خلال الموسم الدراسي.
وأكّد كثير من التلاميذ أنّ مادة التاريخ والجغرافيا لم تعد ترتكز على الحفظ واسترجاع المعلومات فقط، بل أصبحت تتطلّب فهماً أعمق للأحداث والظواهر والقدرة على الربط بينها واستخلاص النتائج.
وفي شعبة الآداب والفلسفة، بدت الانطباعات إيجابية في مجملها، حيث رأى المترشّحون أنّ موضوع التاريخ جاء من صميم البرنامج الدراسي وتناول محاور أساسية مرتبطة بالثورة التحريرية والحرب الباردة. كما اعتبروا أنّ الأسئلة المباشرة المتعلقة بالمصطلحات والأحداث والتواريخ مكّنتهم من استثمار معارفهم بشكل جيّد، في حين تطلّب المقال الخاص باستراتيجية المعسكر الغربي في آسيا خلال فترة الحرب الباردة قدراً من التنظيم والتحليل، دون أن يخرج عن الدروس المقرّرة.
أمّا في الجغرافيا، فقد تركّزت الأسئلة على قضايا الاقتصاد العالمي والفجوة التنموية والعلاقات التجارية الدولية، مع توظيف وثائق وجداول إحصائية اعتبرها التلاميذ مألوفة ومتداولة خلال الدروس والأعمال التطبيقية.
وفي شعبة العلوم التجريبية، تباينت الانطباعات بشكل أكبر، إذ رأى عدد من المترشّحين أنّ بعض الأسئلة اتسمت بطابع استنتاجي وتحليلي واضح، ما استدعى جهداً إضافياً في توظيف المعارف وتنظيم الأفكار. وأشار بعضهم إلى أنّ سؤال المقال في الجغرافيا المتعلّق بالشركات متعدّدة الجنسيات أثار نقاشاً واسعاً، باعتبار أنّ هذا المحور يرد أساساً في البرنامج ضمن المصطلحات والمفاهيم المرتبطة بالاقتصاد العالمي، وهو ما جعل بعض التلاميذ يشعرون بأنّ السؤال يتطلب قدراً أكبر من التحليل والاستنتاج.
في المقابل، رأى آخرون أنّ الموضوع ظل مرتبطاً بالمحتوى الدراسي، وأن التلميذ الذي ركّز على فهم الدروس واستيعاب مفاهيمها الأساسية تمكّن من التعامل معه بصورة مقبولة.
وفي شعبة التسيير والاقتصاد، أجمع عدد من المترشّحين على أنّ موضوع التاريخ والجغرافيا جاء في مجمله واضحاً ومباشراً، حيث تركّزت أسئلة التاريخ على محاور أساسية من البرنامج، على غرار مؤتمر الصومام والحركات التحرّرية، وهي محاور وُصفت بالسهلة نسبياً بالنسبة لمن راجع الدروس بانتظام، إذ اعتمدت الأسئلة على الفهم واسترجاع المعارف الأساسية دون تعقيد كبير.
أمّا في الجغرافيا، فقد تطرّقت المواضيع إلى قضايا مرتبطة بالاقتصاد والأسواق العالمية، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية الدولية وآليات تنظيم المبادلات، وهو ما تطلب من المترشّحين توظيف معارفهم لفهم ديناميكية الاقتصاد العالمي وتحليل بعض المعطيات المرتبطة به.
وبصفة عامة، اعتبر أغلب التلاميذ أنّ الموضوع كان في المتناول بالنسبة لهذه الشعبة، مع تسجيل ارتياح نسبي تجاه طبيعة الأسئلة التي لم تخرج عن الإطار العام للدروس المقرّرة.
وأكّد أساتذة ومختصون في التربية أنّ مواضيع التاريخ والجغرافيا خلال السنوات الأخيرة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على قياس قدرات التحليل والفهم وربط المعارف بالسياقات المختلفة، وهو توجّه ينسجم مع فلسفة الإصلاحات التربوية التي تركّز على بناء الكفاءات لدى المتعلم أكثر من التركيز على الحفظ الآلي للمعلومات.
وأوضحوا أنّ التلميذ أصبح مطالباً بإتقان المنهجية وفهم العلاقات بين الأحداث والظواهر التاريخية والجغرافية، إلى جانب القدرة على استثمار الوثائق والإحصائيات في بناء إجابات دقيقة ومترابطة.
ويرى متابعون للشأن التربوي أنّ هذا التحول يفرض على المترشّحين التعامل مع مادة التاريخ والجغرافيا منذ بداية السنة الدراسية بمنطق الفهم والتحليل لا بمنطق الحفظ فقط، خاصة أنّ نمط الأسئلة أصبح يمنح أهمية أكبر للقدرة على الاستنتاج وتوظيف المعارف في وضعيات مختلفة. كما يؤكّد هؤلاء أنّ النجاح في المادة لم يعد مرتبطاً بحفظ أكبر قدر من المعلومات، بل بمدى استيعاب التلميذ لمضامين الدروس وقدرته على توظيفها بطريقة منهجية.
وبصفة عامة، اتسمت انطباعات المترشّحين بعد اختباري التاريخ والجغرافيا بالتفاؤل الحذر، إذ اعتبر الكثير منهم أنّ المواضيع كانت في المتناول بالنسبة لمن حضّروا بجدية طوال الموسم الدراسي، بينما رأى آخرون أنّ بعض الأسئلة تطلبت تفكيراً وتحليلاً أكثر من المعتاد. ومع اقتراب نهاية امتحانات شهادة البكالوريا، يواصل المترشّحون خوض الاختبارات المتبقية على أمل تحقيق النتائج التي تعكس الجهود المبذولة طوال العام الدراسي.
انطباعات إيجابية في الفلسفة
في امتحان مادة الفلسفة الذي جرى، أول أمس، تناول موضوع الاختبار محور الإحساس والإدراك، حيث عبّر عدد من المترشّحين عن ارتياحهم عقب خروجهم من الامتحان، مؤكّدين أنّ الموضوع كان واضحاً ومباشراً ويدخل ضمن المحاور الأساسية المقرّرة خلال السنة الدراسية.
وأشاروا إلى أنّ صياغة الإشكالية ساعدتهم على فهم المطلوب بسرعة، ما مكّنهم من الشروع في بناء المقال الفلسفي بصورة منظمة واستثمار المفاهيم والمواقف الفلسفية المدروسة خلال الموسم الدراسي.
أمّا في تحليل النص الفلسفي، فقد تناول موضوعاً مرتبطاً بالشغل، حيث أكّد التلاميذ أن النص كان واضحاً ويسمح بفهم أطروحته بسهولة، ما ساعدهم على تطبيق المنهجية المعتمدة في تحليل النصوص الفلسفية من خلال استخراج الأطروحة والأفكار الأساسية وتحليل البناء الحجاجي وربطه بالمواقف الفلسفية المدروسة. وبشكل عام، سادت أجواء من الارتياح بين المترشّحين في هذه المادة.
موضوع العلوم التجريبية بين التدرّج والتحليل
في مادة العلوم التجريبية، أكّد المترشّحون أنّ الموضوع جاء طويلاً نسبياً من حيث عدد التمارين وتنوّع الوثائق والمعطيات، غير أنه بقي ضمن إطار الدروس المقرّرة ولم يخرج عن البرنامج الدراسي. واعتمدت الأسئلة على تحليل الوثائق العلمية واستغلال المعارف وربطها بالنتائج التجريبية، ما تطلّب تركيزاً كبيراً وإدارة دقيقة للوقت أثناء الإجابة.
وركّز التمرين الأول على العلاقة بين البنية والوظيفة من خلال تأثير الجذور الحرة على البنية الفراغية للبروتينات، وهو تمرين اعتُبر في متناول المترشّح المحضّر جيّداً. أمّا التمرين الثاني فتمحور حول الإنزيمات وتحليل منحنيات بيانية مرتبطة بتغير النشاط الإنزيمي، ما استدعى القدرة على الربط بين المعطيات التجريبية والبنية الجزيئية للإنزيم.
في حين تناول التمرين الثالث التركيب الضوئي وتأثير المبيدات في وضعية علمية مركّبة جمعت بين الفرضية والتحليل والمصادقة، مع دراسة دور البروتين D1 وإنزيمات GST في تفسير مقاومة بعض النباتات.
وفي هذا السياق، اعتبر عدد من المختصّين في الشأن التربوي أنّ موضوع العلوم التجريبية جاء مصمّماً وفق هندسة «تصاعدية» واضحة، تبدأ باسترجاع المعارف في التمرين الأول، مروراً بالاستدلال العلمي في التمرين الثاني، وصولاً إلى الوضعية العلمية المركّبة في التمرين الثالث. وأكّدوا أنّ هذا البناء يهدف إلى قياس قدرة المترشّح على الفهم العميق وربط المستويات المختلفة للظاهرة البيولوجية.
وأضافوا أنّ التمرين الأول شكّل فرصة لجمع العلامات، بينما مثل التمرين الثاني مرحلة انتقالية تعتمد على تحليل المنحنيات وربطها بالنماذج الجزيئية، في حين عُدّ التمرين الثالث محطة حاسمة موجّهة أساساً للتلاميذ ذوي القدرات التحليلية العالية، لكونه جمع بين تفسير ظاهرة مقاومة النباتات للمبيدات وربطها بتغيرات على المستوى الجزيئي الدقيق.
وبحسب المختصين، فإنّ هذا التصميم يعكس توجّهاً بيداغوجياً حديثاً يقوم على الانتقال من الحفظ إلى الفهم، ومن المعرفة النظرية إلى التفسير العلمي للظواهر البيولوجية، ما يجعل الموضوع في مجمله بين فوق المتوسّط والصعب، خاصة في جزئه الأخير.
التسيير المحاسبي والمالي والميكانيك
في شعبة التسيير والاقتصاد، جاء موضوع مادة التسيير المحاسبي والمالي بطابع تطبيقي وتحليلي متسلسل، حيث اعتمد على وضعية واقعية لمؤسّسة إنتاجية تتضمّن معطيات محاسبية دقيقة يجب استغلالها للوصول إلى نتائج مالية واقتصادية واضحة، من خلال إعداد الميزانية الوظيفية وحساب مؤشّرات مثل رأس المال العامل الصافي الإجمالي (FRNG)، واحتياجات رأس المال العامل (BFR)، والخزينة الصافية (TN)، إضافة إلى المحاسبة التحليلية وتوزيع الأعباء وحساب التكاليف والنتيجة النهائية.
ومن جهة أخرى، برزت في التعليقات المتداولة بين التلاميذ وأوليائهم قراءات مختلفة حول مادة الميكانيك في الشعب التقنية، حيث اعتبر عدد من المترشّحين أنّ الامتحان جاء روتينياً وواضح المنهج، مشيرين إلى أنه لم يتضمّن خروجاً عن الدروس أو مفاجآت غير متوقّعة، بل اعتمد على المتابعة المستمرة طوال السنة وحل نماذج الدورات السابقة.
وفي هذا السياق، يرى بعض الأولياء أنّ طبيعة هذه المادة لا تترك مجالاً كبيراً للمفاجآت، وأنّ نجاح التلميذ فيها مرتبط أساساً بالعمل المنتظم وليس بالمراجعة في اللحظات الأخيرة، مؤكّدين أنّ الامتحان حافظ خلال السنوات الأخيرة على النمط نفسه من حيث الهيكلة والوضوح.



