يرى الفنان عبد الله بن حامو، أن الزمن الذي كان يُنظر فيه إلى الفنان بوصفه مجرد مُسل أو هارب من الواقع في سياق التنمية المعاصرة، قد ولى، فالفنان لا يقف في عربة القطار منتظرا وجهته، بل هو من يضع الفحم في محرك الوعي، وهو الذي يحدد مسار الرحلة على خريطة القيم، دوره لم يعد ترفيا، بل صار وجوديا واستراتيجيا، قادرا على إعادة تعريف التنمية نفسها.
أكد الروائي عبد الله بن حامو في حديثه لـ»الشعب» أن الفنان يمكن أن يضطلع بدور ريادي في قيادة التنمية من خلال ثلاثة محاور أساسية، بكونه مهندس الوعي ومُفكك الخطابات ومحفز للاقتصاد الإبداعي ورائد الأعمال الرمزية وصانع للتماسك الاجتماعي، مشيرا إلى أن التنمية ليست مجرد تراكم للمادة، بل هي تغيير جذري في طريقة التفكير. وهنا، يعمل الفنان يقول «كمحفز للوعي الجماعي، يخترق المسلمات البالية ويُفكك شفرات التخلف الفكري، إنه من يحارب الفقر الثقافي من خلال عمل إبداعي جريء كما يفعل الروائي الذي يسلط الضوء على قضايا الفساد، أو المخرج السينمائي الذي يعري تناقضات المجتمع، أو فنان الشارع الذي يحول حائطا ميتا إلى صرخة تُحرض على التفكير»، مضيفا «هذه الأفعال ليست مجرد فن للفن، بل هي عملية جراحية في عقل المجتمع، وإزالة للألغام المعرفية التي تعيق انطلاقته، الفنان يقود التنمية من خلال قيادة الأسئلة، لا تقديم الإجابات الجاهزة.»
وأفاد المتحدث في نفس الصدد، أنه يمكن للفنان اليوم أن يكون رائد أعمال من طراز رفيع إنه لا يبيع لوحة أو لحنا فقط، بل يبيع تجربة وقيمة وأسلوب حياة من خلال تأسيس الاستوديوهات الإبداعية، وصناعات الألعاب الإلكترونية، والأزياء المستوحاة من التراث، والتصميم الجرافيكي، يصبح الفنان رأس حربة في الاقتصاد، هذا الاقتصاد، القائم على الملكية الفكرية والإبداع، يضيف المتحدث «هو الأسرع نموا عالميا، والفنان فيه هو المُنتج والمُبتكر الأساسي عندما يصمم فنان خطا طباعيا عربيا فريدا يستخدم في علامة تجارية عالمية، فهو يُصدّر ليس مجرد منتج، بل قطعة من هويته، مُساهما في الناتج المحلي الإجمالي بشكل مباشر وغير مباشر».
في هذا الشأن، يقول صاحب رواية «حلم لم يكتمل»، إن الفنان ليس مجرد مرآة تعكس الواقع، بل يقود التنمية من أمام، ليس بالسياسات ولكن بالرؤى، ليس بالوعظ ولكن بالتأثير الوجداني العميق الذي يغير الإنسان من الداخل، وهذا هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية.
وفي سياق آخر، يرى بن حامو أنه في عصر التحولات الرقمية، يضطلع الفن بدور مُركب وحاسم للحفاظ على الهوية الوطنية، من خلال الابداع وترميم الهوية بجينات عصرية، وجعل الفن كقوة ناعمة في الفضاء الرقمي.
فالفن يؤكد المتحدث لا يكافح العولمة بمنطق الرفض، بل بمنطق الإتقان والإدهاش، حيث يضمن للهوية الوطنية ألا تتحول إلى قطعة متحفية، بل تبقى نهرا متدفقا، يأخذ من ينابيع الماضي ليصب في محيط الإنسانية، حاملا معه لونه وطعمه الفريد الهوية التي يصنعها الفن ليست سجنا، بل هي جناح للتحليق عاليا.
ليختتم بن حامو حديثه بأن الفن في الجزائر اليوم هو «صناعة إبداعية في طور التشكل، تتلبس أحيانا عباءة الهواية النخبوية، فهو ليس لونا واحدا، بل فسيفساء متكاملة: تجد فيه الفنان الهاوي الذي يرسم للمتعة في بيته، والفنان الأكاديمي الذي يبدع صرخة وجودية لجمهور محدود، وفي الزاوية الأكثر إشراقا، تجد جيلا جديدا من المبدعين الذين يفهمون أن الأصالة والهوية هما رأس مالهم الحقيقي، ويبنون بهدوء، ولوحة فأخرى، ومشروعا بعد آخر «صناعتهم الإبداعية» الخاصة.







