ليس أصعب من أن يمرض الإنسان بعيدًا عن أهله، إلا أن يمرض وهو أسير. في كل ليلة، ينام الأسرى المرضى على أوجاعهم كما ينام الناس على وسائدهم. يضعون رؤوسهم على أمل أن يكون الغد أخف ألمًا، لكن الغد يأتي محملًا بوجع جديد.
هناك خلف الأبواب الحديدية، لا يسمع أحد أنينهم حين تشتد الحمى، ولا يرى أحد ارتجاف أجسادهم حين ينهش المرض أجسادهم الضعيفة.
كيف يبدو المرض في السجن؟
يبدو كأن تستيقظ على حكة تحرق جلدك ولا تجد دواءً يطفئها.
يبدو كأن تتألم لساعات طويلة وأنت تنتظر من يصدق أنك تتألم.
يبدو كأن تصبح زيارة الطبيب حلمًا، والعلاج أمنية، والشفاء معركة أخرى تضاف إلى معركة الأسر.
الأسرى المرضى لا يعانون من المرض وحده، بل من الشعور بأن أجسادهم تُستنزف ببطء بينما العالم يمضي كأن شيئًا لم يكن.
هناك أم تنتظر ابنها المريض، وتتساءل كل ليلة: هل نام من شدة التعب أم من شدة الوجع؟
وهناك زوجة تخاف من كل خبر، لأن المرض داخل السجن ليس خبرًا عابرًا، بل خوفًا دائمًا يسكن القلب.
وهناك أطفال يكبرون وهم يحفظون اسم المرض الذي أصاب آباءهم أكثر مما يحفظون ملامح وجوههم.
مؤلم أن يكون الأسير محرومًا من الحرية، لكن الأكثر ألمًا أن يكون محرومًا من حقه في العلاج أيضًا.
كم أسيرًا أخفى دموعه حتى لا يراه رفاقه ضعيفًا؟
وكم أسيرة قاومت وجعها بصمت حتى لا يقال إنها انهارت؟
وكم مريضًا نام وهو يدعو الله أن يخفف عنه ليلة واحدة فقط من هذا العذاب؟
خلف كل رقم يُذكر عن الأسرى المرضى حكاية إنسان، وقلب أم، ولهفة زوجة، ودمعة طفل، وعمر يتآكل بين الجدران.
هم لا يطلبون المستحيل…
يريدون فقط أن يُعاملوا كبشر.
أن يتلقوا العلاج حين يمرضون.
أن يتنفسوا دون ألم.
أن يناموا دون خوف.
أن يعودوا إلى أحضان أحبائهم سالمين.
ولعل أكثر ما يكسر القلب أن بعض الأسرى لم يعودوا يعدّون الأيام انتظارًا للحرية، بل انتظارًا لزوال الألم.
للأسرى المرضى نقول:
نحن لا نرى وجعكم كله، لكننا نعلم أنه أكبر من الكلمات.
ونحن لا نسمع أنينكم كل ليلة، لكننا نؤمن أن لكل وجع نهاية، وأن الظلم مهما طال لن يبقى.
اللهم اشفِ أسرانا وأسيراتنا المرضى، وخفف عنهم ما يعجز اللسان عن وصفه، واجعل لهم من كل ألم أجرًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل قيد حريةً قريبة.







