تستعد الساحة الثقافية الجزائرية لاحتضان الدورة الثالثة من مشروع «تلاقي»، المبرمجة من 28 إلى 30 جوان الجاري، في موعد فني وثقافي يواصل ترسيخ فلسفته القائمة على مدّ الجسور بين مجالات معرفية ومهنية مختلفة، وجعل الإبداع مساحة مشتركة للحوار والتفاعل وتبادل الخبرات.
يأتي هذا المشروع ليؤكد أن الفن لم يعد حكرا على المبدعين المتخصصين فيه فحسب، بل أصبح لغة جامعة تلتقي عندها تجارب إنسانية ومهنية متنوعة، قادرة على إثراء المشهد الثقافي برؤى جديدة ومقاربات مبتكرة.
وتحمل هذه الطبعة خصوصية لافتة من خلال توسيع دائرة المشاركين لتشمل الأطباء الفنانين للمرة الأولى، إلى جانب المحامين الفنانين وعدد من المبدعين والمهتمين بالفنون التشكيلية والبصرية. ويعكس هذا التوجّه رغبة منظمي المشروع في إبراز الطاقات الإبداعية الكامنة داخل مختلف المهن والتخصّصات، والتأكيد على أن الحس الفني يمكن أن يتجلى في فضاءات تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن عالم الفن.
وتقوم فكرة «تلاقي» أساسا على مبدأ التقاطع بين العوالم المهنية والإبداعية، حيث يتيح المشروع للمشاركين فرصة تقديم أعمال تنبع من تجاربهم الخاصة، وتستمد خصوصيتها من الجمع بين المعرفة الأكاديمية أو المهنية والرؤية الفنية. ومن شأن هذا التفاعل أن يفتح آفاقا جديدة أمام الممارسة الإبداعية، وأن يمنح الجمهور فرصة لاكتشاف مقاربات فنية مختلفة تستلهم تفاصيل الحياة المهنية وتعيد صياغتها بلغة الفن.
وفي عالم يشهد تزايدا في التخصّصات الدقيقة، يطرح المشروع رؤية مغايرة تقوم على الحوار بين الحقول المعرفية بدل الفصل بينها، فالفنان والطبيب والمحامي يلتقون هنا في مساحة واحدة، لا لعرض مهاراتهم المهنية، وإنما للكشف عن الجانب الإبداعي الذي يشكل جزءا من شخصياتهم وتجاربهم الإنسانية، ومن هذا المنطلق، يتحوّل الفن إلى وسيلة للتعبير عن القيم المشتركة والأسئلة الإنسانية التي تتجاوز حدود المهنة والتخصص.
كما يسعى «تلاقي» إلى تكريس قناعة مفادها أن الإبداع الحقيقي يولد غالبا عند نقاط التماس بين المعارف المختلفة، وأن الأعمال الفنية الأكثر ثراء هي تلك التي تستفيد من تعدد الخبرات وتنوع المرجعيات الفكرية والثقافية. لذلك يراهن المشروع على خلق فضاء للتبادل والتجريب، يسمح للمشاركين بتطوير أفكار جديدة وبناء جسور تواصل بين فاعلين ينتمون إلى خلفيات مهنية متباينة.
ويرتقب أن تشكل الدورة الثالثة من «تلاقي» التي احتضنت فعاليات نسختيها السابقتين الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي، محطة ثقافية مميزة تحتفي بتنوع التجارب الإنسانية، وتؤكد قدرة الفن على الجمع بين التخصصات المختلفة، في تجربة تجعل من الإبداع نقطة التقاء بين المعرفة والجمال، وبين الممارسة المهنية والخيال الفني الخلاق.




