ملتقى «طرق الحبر» يوصي بقانون خاص بالمخطوطات وإنشاء معهد عالٍ للترميم
نحو إطلاق «شبكة رقمية وطنية» وجائزة للتميز في حفظ المخطوطات بالجزائر
أكد أساتذة وباحثون مشاركون في الملتقى الدولي «المخطوط طرق الحبر في الجزائر حضارة وتراث» بقصر المؤتمرات «عبد اللطيف رحال» بالجزائر العاصمة، أن حماية التراث المخطوط الجزائري وتثمينه لم تعد مسؤولية المؤسسات الثقافية وحدها، بل أصبحت قضية حضارية تتطلّب تضافر جهود الباحثين وأصحاب الخزائن والمكتبات والهيئات العلمية والتكنولوجية، وأجمع المتدخلون على أن المخطوطات تمثل رصيدا معرفيا وتاريخيا بالغ الأهمية..
أشار الأستاذ عبد المجيد بغدادي من باكستان في مداخلته الموسومة بـ»جرد وفهرسة المخطوطات بخزائن ومكتبات بلاد السند» إلى الحضور اللافت للمخطوطات الجزائرية في مكتبات شبه القارة الهندية، متخذا من مكتبة «كنز بخش» نموذجا تطبيقيا للدراسة.
وأوضح أن التراث المخطوط الإسلامي يعد أحد أهم الأوعية الحافظة للذاكرة العلمية والحضارية، إذ مكّن من صون جهود العلماء ونقل المعارف بين الشعوب والأقاليم على امتداد قرون طويلة.
وتناول الباحث من خلال دراسته، واقع المخطوطات الجزائرية المحفوظة بالمكتبة، معتمدا على المنهج الوصفي التحليلي في جرد هذه المخطوطات ودراسة بياناتها الببليوغرافية ومضامينها العلمية.
وكشفت نتائج البحث بحسب – عبد المجيد بغدادي – عن وجود عدد معتبر من المخطوطات التي تتوزع على حقول معرفية متنوعة، من بينها الفقه المالكي والتصوف وعلوم الشريعة واللغة والأدب، وهو ما يعكس غنى الإنتاج العلمي الجزائري وتنوّع اهتماماته الفكرية.
وأبرز المتدخل، أن وجود هذه المخطوطات خارج الوطن ليس مجرد انتقال مادي للوثائق، بل يمثل شاهدا حيا على عمق الروابط العلمية والثقافية التي جمعت المغرب الإسلامي بشبه القارة الهندية عبر شبكات العلماء والرحالة والتجار والمتصوفة.
كما نوّه بأهمية مواصلة عمليات البحث والتقصي في المكتبات العالمية، من أجل التعرف على المخطوطات الجزائرية الموزعة خارج البلاد، وحصرها والتعريف بها، بما يسهم في استعادة جزء مهم من الذاكرة الثقافية الوطنية.
إنشـــاء مركــــز متخصــــص للمخطوطــــات
من جهته، استعرض الأستاذ فؤاد القاسمي الحسني من الجزائر، في مداخلته بعنوان «تجربة زاوية الهامل والمكتبة القاسمية في حفظ المخطوطات» الجهود التي بذلتها المؤسسات الدينية والعلمية الجزائرية في المحافظة على التراث المخطوط، وأكد أن المخطوطات لا تمثل مجرد وثائق قديمة، بل تشكل تراثا ماديا وغير مادي يعكس المرجعية الدينية والوطنية والثقافية للمجتمع الجزائري.
وسلط القاسمي الحسني الضوء على تجربة زاوية الهامل والمكتبة القاسمية باعتبارهما نموذجا ناجحا في حفظ المخطوطات وصيانتها وإتاحتها للباحثين، كما تناول أهمية الإهداءات التي تلقتها المكتبة عبر سنوات طويلة، مشيرا إلى أن هذه المبادرات ساهمت في إثراء الرصيد الوثائقي وحماية عدد كبير من المخطوطات من الضياع أو التلف.
ونوه الأستاذ القاسمي بالدور الذي تؤديه المكتبات والخزائن الخاصة في خدمة البحث العلمي، لكونها تحفظ مصادر نادرة يحتاجها الدارسون والمهتمون بتاريخ الجزائر وتراثها الفكري. كما تطرق إلى الجهود العلمية الرامية إلى التعريف بالمكتبة القاسمية من خلال الدراسات والأبحاث الأكاديمية، مستشهدا بمقال علمي نشر في مجلة «معهد المخطوطات العربية». واختتم مداخلته بالدعوة إلى إنشاء مركز متخصص للمخطوطات يتكفل بعمليات الحفظ والجرد والفهرسة والتكوين والرقمنة، بما يضمن استدامة هذا التراث للأجيال القادمة.
تكثيــف جهــود الجـــرد والتوثيــــق والفهرــــسة
بدوره، تطرق الأستاذ بلقاسم ضيف من الجزائر في مداخلته الموسومة بـ»فهرسة مخطوطات خزائن زوايا الجلفة» إلى واقع التراث المخطوط في منطقة الجلفة، مؤكدا أن التراث العربي الإسلامي يعد من أغنى التراث الإنساني من حيث الكم والقيمة العلمية.
وأوضح أن هذا التراث تعرض خلال فترات مختلفة من التاريخ لخسائر كبيرة نتيجة الحروب وأعمال الحرق والنهب والسرقة، غير أن جهود العلماء ومشايخ الزوايا أسهمت في الحفاظ على جزء مهم منه.
وأبرز الباحث، أن ولاية الجلفة تزخر بعدد معتبر من خزائن المخطوطات التي ما تزال تحتفظ بكنوز علمية نادرة في مجالات متعددة، وقد تمكن أصحابها من المحافظة عليها رغم الظروف الصعبة التي عرفتها البلاد، خاصة خلال المرحلة الاستعمارية، كما أشار إلى أن هذه المخطوطات تشكل مصدرا مهما لدراسة الحياة العلمية والثقافية والدينية في المنطقة.
واستعرض المتدخل جانبا من تجربته الميدانية في خدمة التراث المخطوط داخل الجزائر وخارجها، والتي شملت عمليات الجمع والتحقيق والفهرسة والتصوير والنشر، ولفت إلى أن العديد من المجموعات المخطوطة لا تزال محفوظة لدى الأفراد والعائلات والزوايا، الأمر الذي يستدعي تكثيف جهود الجرد والتوثيق والفهرسة، حتى يتم إدماجها ضمن المشاريع الوطنية الرامية إلى حماية التراث المخطوط وتثمينه.
تعزيـــز التعـــاون لحمايــــة الارث الحضـــــاري
أما الدكتور سليم أولاد بن سعيد، تناول في مداخلته المعنونة «تأمين التراث الوطني: الرقمنة كآلية مستدامة لبعث المخطوطات من الخزائن المغلقة» أهمية التحول الرقمي في مجال حفظ التراث الوثائقي والمخطوط. وأوضح أن الرقمنة أصبحت اليوم من أبرز الوسائل العلمية والتقنية الكفيلة بحماية المخطوطات من التلف والاندثار، خاصة في ظل هشاشة المواد الورقية وتقادمها بفعل الزمن والعوامل الطبيعية.
وأشار سليم اولاد، إلى أن الرقمنة لا تقتصر على إنتاج نسخ إلكترونية للمخطوطات فحسب، بل تسهم في توسيع دائرة الاستفادة منها عبر تمكين الباحثين والطلبة والمهتمين من الوصول إليها بسهولة، دون الحاجة إلى تداول النسخ الأصلية وتعريضها لمزيد من التآكل. كما أبرز أن البيئة الرقمية تتيح إمكانات جديدة للفهرسة والتوثيق والتبادل العلمي، بما يعزز حضور المخطوطات داخل المنظومة المعرفية المعاصرة.
ونوّه المتدخل بأن نقل المخطوطات من فضاءات الخزائن المغلقة إلى الفضاء الرقمي يمثل شكلا من أشكال إحياء التراث وإعادة إدماجه في الحياة العلمية والثقافية، وخلص إلى أن اعتماد التقنيات الحديثة في مجال الحفظ والتوثيق لم يعد خيارا ثانويا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات العصر ومتطلبات حماية الذاكرة الجماعية للأمة.
وعكست مجمل المداخلات وعيا متزايدا بأهمية الانتقال من مرحلة المحافظة التقليدية على المخطوطات إلى مرحلة أكثر شمولا تقوم على الجرد العلمي والفهرسة الدقيقة والرقمنة والتعريف بالمجموعات المخطوطة داخل الجزائر وخارجها.
كما أبرزت الحاجة إلى تعزيز التعاون بين الباحثين والمؤسسات الثقافية وأصحاب الخزائن الخاصة من أجل حماية هذا الإرث الحضاري الثمين وضمان استمراره مصدرا للمعرفة والإشعاع الثقافي للأجيال الحالية والقادمة.
ترسيـــــم ملتقـــــى المخطوطـــــــات
وأجمع المشاركون في ملتقى «المخطوط طرق الحبر في الجزائر حضارة وتراث» على ضرورة الانتقال من الجهود التقليدية في حفظ المخطوطات إلى رؤية وطنية شاملة تجعل من هذا التراث ركيزة أساسية في صون الذاكرة الجماعية وتعزيز البحث العلمي.
وجاءت التوصيات الختامية للملتقى لتعكس حجم التحديات التي تواجه المخطوط الجزائري، وفي مقدمتها قضايا الحفظ والصيانة والفهرسة والرقمنة والتكوين، إلى جانب الحاجة إلى تطوير الأطر القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية هذا الإرث الحضاري وتثمينه.
ودعا المشاركون إلى ترسيم ملتقى المخطوطات كتظاهرة علمية دولية دورية، بما يسمح باستمرارية النقاش الأكاديمي حول قضايا المخطوطات وتبادل الخبرات بين الباحثين والمتخصصين من داخل الجزائر وخارجها.
كما اقترحوا استحداث يوم وطني للمخطوط يكون مناسبة للتعريف بهذا الموروث الثقافي والتحسيس بأهميته في حفظ الذاكرة الوطنية، وإبراز مساهمة الجزائر في مسار الحضارة الإنسانية.
وفي سياق العناية بالخزائن الخاصة التي تحتفظ بجزء معتبر من التراث المخطوط، أوصى المشاركون بضرورة تثمين هذه الخزائن وتجهيزها وتهيئتها وفق المعايير العلمية المعتمدة في مجال الحفظ والصيانة، مع تشجيع أصحابها على مواصلة جهودهم في صون هذا الرصيد الوثائقي الفريد، وتوفير مختلف أشكال الدعم والمرافقة اللازمة لضمان استمراريته.
كما شدّدت التوصيات على أهمية ترسيخ ثقافة التميز في مجال خدمة المخطوطات من خلال استحداث جائزة وطنية للتميز في حفظ المخطوطات، وأخرى للتميز في تحقيقها، بما يساهم في تشجيع الباحثين والمؤسسات على تطوير مشاريع علمية رصينة تهدف إلى إحياء النصوص التراثية وإتاحتها للقراء والباحثين.
وفي الجانب التربوي والتكويني، دعا المشاركون إلى إدراج مادة تعليمية وتكوينية حول المخطوطات ضمن البرامج التربوية والجامعية، بهدف تعريف الأجيال الجديدة بقيمة هذا التراث وأهميته العلمية والتاريخية.
كما أوصوا بتدريس الخط الجزائري العتيق والمحافظة عليه باعتباره جزءا من الهوية الثقافية الوطنية، وأحد المفاتيح الأساسية لقراءة وفهم العديد من المخطوطات الجزائرية.
وأكدت التوصيات كذلك الحاجة إلى إعداد قانون خاص بالمخطوطات يحدد آليات حمايتها وتصنيفها وحفظها واستغلالها العلمي، ويوفر الإطار التشريعي الكفيل بصونها من مختلف المخاطر التي قد تهددها، سواء تعلق الأمر بالتلف أو الضياع أو التهريب.
وفي مجال التكوين المتخصّص، أوصى المشاركون بإنشاء معهد عال للتكوين في علم المخطوطات يتولى إعداد كفاءات مؤهلة في مجالات الفهرسة والتحقيق والترميم والصيانة والحفظ، إلى جانب استحداث تخصصات للتكوين المهني في مجال حفظ المخطوطات وصيانتها، بما يسمح بتوفير موارد بشرية قادرة على الاستجابة لمتطلبات هذا القطاع الحيوي.
وحظي موضوع الرقمنة بمكانة بارزة ضمن مخرجات الملتقى، حيث دعا المشاركون إلى إنشاء شبكة رقمية وطنية لخزائن المخطوطات تسهم في توحيد قواعد البيانات وتسهيل تبادل المعلومات بين المؤسسات والباحثين، فضلاً عن مواصلة مشاريع الرقمنة وتوسيعها لتشمل أكبر عدد ممكن من المخطوطات الموزعة عبر مختلف مناطق الوطن، بما يضمن حمايتها من التلف وييسر الوصول إليها واستثمارها علميًا.
كما أكدت التوصيات على ضرورة استثمار التراث المخطوط في الصناعات الثقافية والسياحية، وتحويله إلى مورد ثقافي ومعرفي قادر على المساهمة في التنمية، من خلال تثمينه والتعريف به وإدماجه في المشاريع الثقافية التي تعزز الوعي بالهوية الوطنية وتبرز ثراء الموروث الحضاري الجزائري.
وعكست هذه التوصيات، في مجملها، إرادة مشتركة لدى الباحثين والمهتمين بالمخطوطات للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل، عبر بناء منظومة متكاملة تجمع بين الحفظ والتكوين والرقمنة والتشريع والتثمين.
كما اختتم الملتقى بالإشادة باقتراح مدير معهد المخطوطات العربية احتضان الجزائر للدورة السنوية المقبلة للمعهد، وهي خطوة اعتبرها المشاركون مؤشرا على المكانة التي باتت تحظى بها الجزائر في مجال العناية بالمخطوطات، وفرصة لتعزيز حضورها في الجهود العربية الرامية إلى صون التراث المخطوط وحمايته.





