إشــادة عربية بجهــــود الجزائـــر فــي حفــظ الذاكــرة
أشرفت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة على افتتاح أشغال الملتقى الدولي “طرق الحبر في الجزائر: المخطوط حضارة وتراث”، المنظم تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بحضور مسؤولين سامين في الدولة وأعضاء من الحكومة وممثلين عن هيئات وطنية، وباحثين وأكاديميين مختصين في التراث المخطوط، إلى جانب أصحاب الخزائن العائلية وممثلي المؤسسات الثقافية والعلمية من داخل الجزائر وخارجها.
يهدف الموعد العلمي والثقافي إلى تسليط الضوء على مكانة المخطوط الجزائري باعتباره أحد أهم الشواهد على الذاكرة الحضارية للأمة، وإبراز الجهود المبذولة في مجالات الجرد والحفظ والترميم والرقمنة، فضلا عن فتح آفاق جديدة للتعاون بين المؤسسات الوطنية والعربية المعنية بصون التراث المكتوب.
وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، أن بعض اللقاءات الثقافية تحمل أسرارا قادرة على فتح آفاق جديدة أمام الأرواح والعقول، وتمنح فرصة لاكتشاف مسارات تقود إلى عوالم أوسع من المعرفة والتأمل، مشيرة إلى أن الاحتفاء بالمخطوط لا يقتصر على كونه وثيقة تاريخية، بل هو احتفاء بالذاكرة الحية للأمة الجزائرية وبالتراث الذي حفظه الأجداد وتركوه أمانة في أعناق الأجيال المتعاقبة.
وأضافت، أن هذا الملتقى يمثل دعوة لاكتشاف “طرق الحبر” التي عبرت الجزائر عبر القرون، وأسهمت في بناء فضاءات للتواصل العلمي والثقافي بين مختلف المناطق، وجعلت من البلاد محطة مهمة في حركة تداول المعرفة بين إفريقيا والعالم العربي والفضاء المتوسطي.
رهــان لتثمـــين المخطــوط الجزائــري
وأوضحت بن دودة، أن اختيار موضوع المخطوط جاء في إطار رؤية ثقافية شاملة تجعل من التراث المكتوب ركيزة أساسية لفهم التاريخ الوطني واستشراف المستقبل، مؤكدة أن حماية المخطوطات تمثل جزءا من معركة الحفاظ على السيادة الثقافية وصون الذاكرة الجماعية.
وأشادت، بالدور الذي تضطلع به المؤسسات الوطنية المختصة، وفي مقدمتها المكتبة الوطنية الجزائرية والمركز الوطني للمخطوطات بأدرار، في عمليات الجرد والحفظ والترميم والفهرسة، مثمنة كذلك جهود أصحاب الخزائن العائلية الذين حافظوا على هذه الكنوز المعرفية عبر الأجيال، وساهموا في إنقاذ آلاف المخطوطات من التلف والضياع.
كما توجهت بالشكر إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون على دعمه المتواصل للمشاريع الثقافية الكبرى، معتبرة أن الرعاية السامية التي خص بها هذا الملتقى تعكس وعيا بأهمية المخطوط باعتباره أحد مكونات الهوية الوطنية.
مخابر متنقلة وبرامج تكوين لأصحــاب الخزائـن
وكشفت الوزيرة، عن مواصلة الجهود الرامية إلى رقمنة آلاف المخطوطات الجزائرية، والعمل على مضاعفة هذا الرصيد خلال السنوات المقبلة، مشيرة إلى إطلاق مشاريع جديدة تشمل مخابر متنقلة مخصصة للتدخل الميداني داخل الخزائن الخاصة عبر مختلف ولايات الوطن، وذلك بالتنسيق مع الجيش الوطني الشعبي، إلى جانب برامج تكوين لفائدة أصحاب الخزائن والجمعيات الناشطة في المجال.
كما أكدت مليكة بن دودة، أن المخطوط الجزائري لا يمثل مجرد وعاء للمعرفة الدينية والعلمية، بل يعد شاهدا على دور الجزائر التاريخي في نشر العلم وترسيخ قيم الحوار والتبادل الحضاري، مشيرة إلى إطلاق برامج لدعم تحقيق المخطوطات ونشرها وتمكين الباحثين من الاستفادة منها.
أرقــــام تكشــف ثـــراء الرصيـــد الوطني
ومن جهته، أكد منير بهادي، مدير المكتبة الوطنية الجزائرية، أن المخطوطات الجزائرية تمثل ثروة علمية وحضارية استثنائية تستوجب تضافر جهود مختلف الفاعلين من أجل حمايتها وتثمينها.
وأوضح بهادي، أن عمليات الجرد والإحصاء التي أنجزتها المؤسسات المختصة أسفرت عن تسجيل 46 ألفا و254 مخطوطا على المستوى الوطني، فيما بلغ عدد المخطوطات التي تم رقمنتها 5031 مخطوطا، كما تحتفظ المكتبة الوطنية وحدها بأكثر من 6924 مخطوطا.
وأضاف، أن الجزائر تمكنت من تسجيل أربعة مخطوطات ضمن برنامج “ذاكرة العالم” التابع لمنظمة اليونسكو، في حين استفادت أكثر من 50 مؤسسة من برامج التكوين المتخصصة في حفظ وترميم المخطوطات، وتم ترميم 322 مخطوطا وإحصاء 587 خزانة للمخطوطات عبر مختلف ولايات الوطن.
وأشار إلى أن المكتبة الوطنية تتجه نحو الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الفهرسة والتحليل والاستكشاف المعرفي للمخطوطات، بما يسمح بتوسيع دائرة الاستفادة العلمية من هذا الرصيد التراثي الثمين.
دعـــــوات لتعزيز التعـــاون في صون التراث المخطوط
من جانبه، ثمن حميد بن سيف حميد النوفلي، ممثلا عن مدير إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو” والممثل للمدير العام للمنظمة، الجهود التي تبذلها وزارة الثقافة والفنون الجزائرية لتسليط الضوء على المخطوطات وإبراز قيمتها الحضارية والعلمية، معتبرا أن هذه الذخائر النفيسة تمثل منارات للعلم والمعرفة وتكشف عن أنماط الحياة والتفكير والإبداع لدى الشعوب عبر مختلف العصور.
وأكد، أن المخطوطات لم تعد مجرد أوعية لحفظ الذاكرة، بل تحولت إلى فضاءات تفتح آفاق المستقبل وتسهم في البناء الحضاري والتنمية المستدامة، مشيرا إلى أن الألكسو تواصل مرافقة الدول العربية في جهود صون التراث المادي وغير المادي والوثائقي.
كما ذكّر حميد بن سيف بالدور الذي اضطلعت به المنظمة في قيادة العمل العربي المشترك لتسجيل ملف الخط العربي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو، بمشاركة 16 دولة عربية من بينها الجزائر.بدوره، أكد موسى جبوري، مدير معهد المخطوطات العربية، أن العناية بالمخطوط العربي تمثل حفاظا على الذاكرة العلمية والحضارية للأمة، مشيراً إلى أن عنوان المؤتمر يسلط الضوء على “الحبر” بوصفه الشاهد الصامت على حركة العلم والفكر عبر القرون.
واستعرض المتحدث المسيرة الطويلة لمعهد المخطوطات العربية منذ تأسيسه سنة 1946، والدور الذي قام به في تصوير وتوثيق الذخائر العربية عبر مختلف أنحاء العالم منذ أولى بعثاته العلمية سنة 1947، مؤكدا استعداد المعهد لتعزيز التعاون مع المؤسسات الجزائرية في مجالات الجرد والتوثيق والحفظ.
كما أشاد، بما تزخر به الجزائر من رصيد وثائقي ومخطوطات نادرة موزعة بين المكتبات الوطنية والزوايا والخزائن العلمية في مختلف مناطق البلاد، من تلمسان وقسنطينة ووهران إلى أدرار والجنوب الجزائري الكبير، معربا عن تطلع المعهد إلى أن تحتضن الجزائر مستقبلا فعاليات “يوم المخطوط العربي”، باعتباره مناسبة ثقافية وعلمية تسهم في نشر الوعي بأهمية التراث المخطوط وصونه للأجيال القادمة.
تكريم حماة الذاكرة ورواد المخطوط الجزائري
وشهد الملتقى تكريم عدد من أصحاب الخزائن العائلية والباحثين والشخصيات التي أسهمت في حفظ التراث المخطوط وصونه ونقله للأجيال، في لفتة حملت معاني الوفاء والتقدير لجهود حراس الذاكرة الوطنية وحماة الموروث الثقافي الجزائري.
وشمل التكريم الشيخ شاري الطيب، صاحب خزانة الشيخ سيدي عبد الله البلبالي بكوسام في ولاية أدرار، والسيد بلمداني محمد، صاحب خزانة بلمداني ببلدية الواتة بولاية بني عباس، وعبد القادر بويه، رئيس جمعية المخطوط والبحث التاريخي ممثلا لمجموع خزائن ولاية إن صالح، عرفانا بإسهاماتهم في الحفاظ على المخطوطات وصونها وتثمينها.كما كرمت وزارة الثقافة والفنون عددا من المتبرعين الذين أثروا الرصيد الوطني للمخطوطات، من بينهم السيد هني بن علي الذي أهدى للمكتبة الوطنية 76 مخطوطا أغلبها من النوادر من ولاية قسنطينة، ومصطفى بن عمر الذي أهدى 192 مخطوطا من ولاية الجزائر، إلى جانب السيد واد بل مولود الذي أهدى 76 مخطوطا نادرا من ولاية قسنطينة، وهي مبادرات تعكس وعيا متزايدا بأهمية المحافظة على التراث المكتوب وإتاحته للباحثين والدارسين.
ولم يقتصر التكريم على أصحاب الخزائن والمتبرعين، بل شمل كذلك أسماء علمية وأكاديمية بارزة رحلت عن الساحة الثقافية، غير أن أعمالها ما تزال حاضرة في مجال خدمة التراث والمخطوطات، ويتعلق الأمر بالأستاذ المرحوم رابح بونار، والأستاذ المرحوم المهدي بوعبدلي، والأستاذ المرحوم يحيى بوعزيز، والأستاذ المرحوم عيسى وموسى، تقديرا لما قدموه من إسهامات علمية وبحثية في حفظ الذاكرة الثقافية الوطنية وإثراء الدراسات التاريخية والتراثية.






