44 مليــون طــــن سنويــا مـن خـام الحديــــد تعيـــد رســـم خريطــة الصناعـــة الوطنيـــة
عائـــدات تقـــارب 3.5 مليــــار دولار سنويــــا..واستحـــداث 25 ألـــف منصــب عمــــل
يتقدم مشروع منجم غارا جبيلات بخطوات متسارعة نحو مرحلة الاستغلال الفعلي، بعد اقتراب استكمال أشغال وحدة المعالجة الأولية لخام الحديد، في إطار الرؤية الاستراتيجية التي تنتهجها الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، والرامية إلى تثمين الموارد الطبيعية، وتنويع الاقتصاد الوطني، وخلق الثروة، وتعزيز قاعدة صناعية وطنية متكاملة.
بعد بلوغ نسبة إنجاز وحدة المعالجة الأولية لخام الحديد أكثر من 95 بالمائة، وانطلاق التجارب التقنية الأولى لتشغيل المنشأة الصناعية، أصبحت الوحدة مؤهلة لدخول مرحلة الاستغلال خلال الفترة المقبلة. وقد كُشف عن هذه المعطيات خلال الزيارة التي قامت بها، مطلع الأسبوع الجاري، كاتبة الدولة لدى وزير المناجم والصناعات المنجمية، كريمة باكير طافر، إلى منجم غارا جبيلات بولاية تندوف.
وتتجه الأنظار إلى هذا المشروع العملاق، الذي يعد أحد أكبر المشاريع المنجمية في القارة الإفريقية، حيث تمثل وحدة المعالجة الأولية الحلقة الأولى في سلسلة إنتاجية متكاملة تستهدف تحويل الثروة المنجمية الوطنية إلى قيمة مضافة داخل البلاد.
ومن المنتظر أن تستقبل الوحدة، فور دخولها حيز الخدمة، كميات ضخمة من خام الحديد المستخرج من المنجم، لتخضع لعمليات التفتيت والمعالجة المغناطيسية قصد إزالة الشوائب ورفع نسبة التركيز، قبل توجيهها إلى شبكة النقل بالسكك الحديدية، التي أصبحت إحدى الركائز الأساسية لنجاح المشروع.
ويعتمد المشروع على منظومة لوجستية متطورة تتيح نقل عشرات الآلاف من الأطنان يوميا عبر خط السكة الحديدية الرابط بين تندوف وبشار، بما يضمن استمرارية تموين مختلف المركبات الصناعية المختصة في صناعة الحديد والصلب. كما يرتقب أن ترتفع الكميات المنقولة تدريجيا بما يواكب الأهداف الإنتاجية المسطرة خلال السنوات المقبلة.
ويقوم المشروع على رؤية صناعية متكاملة تتجاوز استخراج المادة الخام إلى تحويلها محليا، من خلال توجيه خام الحديد نحو وحدات إنتاج الحديد والصلب داخل الوطن. ومن المنتظر أن تستفيد من هذه المادة الأولية عدة مركبات صناعية عبر مختلف مناطق البلاد، بما يعزز الإنتاج الوطني، ويقلص فاتورة الاستيراد، ويوفر المواد الأساسية للصناعات التحويلية ومشاريع البنى التحتية.
ويؤكد تقدم الأشغال أن الجزائر تتجه نحو بناء منظومة صناعية متكاملة تربط بين المناجم والصناعة والنقل والطاقة، بما يحقق اندماجا اقتصاديا فعليا يسهم في خلق الثروة واستحداث مناصب العمل.
ويمثل المشروع كذلك رافعة حقيقية للتنمية المحلية في ولايات الجنوب، خاصة تندوف وبشار وبني عباس، من خلال استحداث فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحفيز الاستثمار في قطاعات الخدمات والنقل والإعمار والمناولة. كما يرتقب أن يسهم في استيعاب أعداد معتبرة من خريجي الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين، وتشجيع إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالنشاط المنجمي والصناعي، بما يخلق حركية اقتصادية واسعة بالمنطقة.
وتفتح القدرات الإنتاجية المستقبلية للمشروع آفاقا واعدة للتصدير نحو الأسواق الدولية، خاصة مع تطوير البنى التحتية اللوجستية والموانئ، وهو ما سيدعم موارد البلاد من العملة الصعبة ويعزز الميزان التجاري. ويجمع المتابعون للشأن الاقتصادي على أن غارا جبيلات تحول إلى مشروع استراتيجي يجسد توجه الجزائر نحو بناء اقتصاد منتج ومتوازن، يقوم على تثمين الثروات الوطنية وتحويلها محليا، بما يعزز السيادة الصناعية ويدعم أهداف التنمية المستدامة والإقلاع الاقتصادي.
وفي قراءة للآفاق الاقتصادية والصناعية التي يفتحها المشروع، أكد الخبير الاقتصادي بوشيخي بوحوص أن مصنع معالجة خام الحديد بمنجم غارا جبيلات جرى استلامه رسميا، مع الشروع في التجارب التقنية الأولى تمهيدا لدخوله حيز الاستغلال.
وأوضح بوحوص، في تصريح لـ«الشعب”، أن الوحدة ستستقبل يوميا نحو 200 ألف طن من خام الحديد المستخرج من منجم غارا جبيلات غرب، حيث تخضع هذه الكميات لعمليات التفتيت والمعالجة المغناطيسية لرفع نسبة التركيز وإزالة الشوائب، قبل نقلها عبر أحزمة ناقلة إلى عربات القطار.
وأضاف أن القطار الواحد يضم نحو 170 عربة، بحمولة إجمالية تقدر بـ12.700 طن، على أن يرتفع عدد القطارات تدريجيا إلى ثمانية قطارات يوميا، بما يسمح بنقل نحو 100 ألف طن من خام الحديد يوميا عبر شبكة السكك الحديدية.
وأشار أحد مؤسسي مركز التفكير الاقتصادي الجزائري إلى أن وتيرة الاستغلال ستتيح بلوغ إنتاج سنوي يقارب 30 مليون طن من خام الحديد في مرحلة أولى، مع إمكانية رفع الإنتاج تدريجيا إلى 44 مليون طن سنويا، وهو الهدف الذي سطرته السلطات العمومية.
وأكد أن هذه الخامات ستوجه إلى مركبات الحديد والصلب بكل من بشار، المرتقب استلامه نهاية سنة 2027، إضافة إلى مركب توسيالي بوهران، ومركب الحجار بعنابة، ومركب جيجل، مع إمكانية تخصيص جزء من الإنتاج للتصدير نحو الأسواق الدولية عبر مينائي وهران ومستغانم.
وتوقع بوحوص أن تدر هذه المشاريع عائدات تقارب 3.5 مليار دولار سنويا، إلى جانب المساهمة في استحداث نحو 25 ألف منصب عمل، خاصة لفائدة ولايات الجنوب، على غرار تندوف وبشار وبني عباس، فضلا عن استيعاب خريجي الجامعات والمعاهد والشباب، بما يعزز مسار التنمية الاقتصادية الوطنية، ويرسخ مكانة الجزائر كقطب صناعي ومنجمي واعد على المستويين الإقليمي والقاري.

