الإنشاء.. الدّمج والتدويل.. خطوات واثقة نحو بناء اقتصاد المعرفة
الحلول الرّقمية تساهم مباشرة في تخفيض التكاليف ورفع الأداء
أكّد أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة البليدة، الخبير حكيم بوحرب، أن دمج التكنولوجيا في صلب النسيج الإنتاجي الوطني هو الضامن الأقوى لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وفتح آفاق جديدة للتموقع الفعال في الأسواق الإقليمية والدولية، وقال إن الجزائر تراهن على تطوير منظومة تربط رواد الأعمال بالحاضنات ومصادر التمويل والجامعات، لضمان استدامة هذه المشاريع ودمجها المباشر في الاقتصاد الحقيقي.
يتوقّع الخبير الاقتصادي حكيم بوحرب أن يساهم هذا التفاعل في خلق ديناميكية خاصة، تدفع بالجزائر نحو تحقيق هدف 20 ألف مؤسسة ناشئة بحلول آفاق عام 2030، كرافعة للتحول الاقتصادي الشامل، وقال في تصريح لـ “الشعب” إن النظام البيئي يقوم على بناء روابط متينة بين أصحاب الأفكار المبتكرة، ومختلف المؤسسات المؤطرة، بما في ذلك الحاضنات والمسرعات وصناديق التمويل، وصولا إلى السوق والشركات الكبرى التي تحتضن منتجاتها، وأضاف أن هذا التوجه يتجلى في انتقال الدولة إلى إستراتيجية تخطيط مستمر تقوم على ثلاث مراحل متتالية، وتبدأ بـ “مرحلة الإنشاء” لدعم الأفكار وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتجسيد، تليها “مرحلة الدمج” التي تعد الأهم لإدماج هذه المؤسسات مباشرة في النسيج الصناعي الجزائري لتطويره وتعزيز استخدام التكنولوجيا، وتنتهي بـ “مرحلة التدويل” لجعل منتجاتها قادرة على التوقع في الأسواق الخارجية، خاصة الإفريقية والآسيوية.
تطوير النّظام البيئي
ولتحقيق هذه الأهداف الطموحة، حدّد الخبير عددا من المتطلبات الأساسية، على رأسها تعزيز التشبيك القطاعي وإخراج المؤسسات الناشئة من فضاء الجامعات إلى أرض الواقع، لتمكينها من الاستفادة من الفرص الاقتصادية الفعلية، كما يبرز دور تعزيز الرقمنة والبنية التحتية التكنولوجية، حيث تعتمد الجزائر مقاربة تدريجية للتحكم في البنى التحتية الإستراتيجية، وقواعد البيانات الضخمة، مدعومة بمشاريع كابلات بحرية عالية القدرة تسمح للبلاد بأداء دور المحور الرقمي الإقليمي، ما يضمن التحكم في الرقمنة، ويوفر فرصا أوسع للنمو والتوسع.
أما فيما يخص آليات التمويل، يرى بوحرب أن الجزائر تبنّت أدوات حديثة مثل رأس المال المخاطر والتمويل الجماعي والتأجيري، وبالتوازي مع ذلك، يعمل الإطار التنظيمي والقانوني المرن، على تسهيل عمليات الإنشاء وتقليص الفجوة التمويلية وفتح المجال أمام نماذج أعمال جديدة وشراكات أجنبية لتوطين التكنولوجيا، ما يمنح القطاعات مزايا تنافسية على المستوى الإفريقي وعلى المستوى المتوسطي.
وأكّد بوحرب أن هذه الخطوات تندرج في رؤية وطنية شاملة، حيث تسير السيادة الاقتصادية جنبا إلى جنب مع التنمية، إذ يشكل تحقيق النمو ورفع الإنتاجية عنصرين متكاملين، مع الحفاظ على استقلالية القرار الاقتصادي ضمن الثوابت الإستراتيجية للدولة الجزائرية.
وأوضح محدّثنا أنه بالنظر إلى الأهمية المتزايدة للمؤسسات الناشئة والاهتمام والدعم المتناميين اللذين تحظى بهما من طرف الدولة الجزائرية، اتجهت الحكومة نحو تطوير ما يعرف بـ “النظام البيئي للمؤسسات الناشئة”، ويقصد به مجموع الفاعلين والمؤسسات والموارد المتعددة التي تتفاعل فيما بينها لإنشاء هذه المؤسسات وتطويرها وضمان شروط استدامتها، فضلا عن دعم مؤسسات الابتكار، وأضاف أن هذا النظام يقوم على بناء روابط وتفاهمات متينة بين رواد الأعمال وأصحاب الأفكار والمشاريع المبتكرة من جهة، ومختلف المؤسسات والأنظمة المؤطرة لعمل المؤسسات الناشئة من جهة أخرى.
تخفيض التّكاليف وتحسين الانتاجية
ومن الجوانب المهمة التي تطرّق إليها الدكتور بوحرب، تعزيز الرقمنة، حيث انتقلت الجزائر من العمل بمنطق المنصات المنفصلة إلى السعي نحو ربط مختلف المنصات الرقمية الخاصة بالقطاعات ضمن شبكة متكاملة، بما يساهم في تحسين الأداء وتسريع التحول الرقمي، ويتعلق الأمر بالبنية التحتية التكنولوجية، حيث تعتمد الجزائر مقاربة تدريجية في بنائها بهدف تعزيز السيادة الرقمية، والتحكم بشكل أكبر في البنى التحتية الإستراتيجية، خاصة ما يتعلق بقواعد البيانات الضخمة ومصادرها. ومن هذا المنطلق، يرى بوحرب أن الاعتماد على بنية تحتية تكنولوجية متطورة يدعم استقلالية القرار الاقتصادي الجزائري، ويمنح مختلف القطاعات مساحة أوسع لاتخاذ القرار بما يتوافق مع التحولات الاقتصادية العالمية، ومع طبيعة الدولة الجزائرية التي تولي أهمية كبيرة لمبدأ السيادة الاقتصادية. ويرى بوحرب أنّ تحديث المنظومة القانونية يفتح المجال أمام ظهور نماذج أعمال جديدة، باعتبار أن هذه المؤسسات تعتمد أساسا على الابتكار، ما يفرض ظهور أنشطة وحلول اقتصادية وتكنولوجية مستحدثة.
ومن بين الإجراءات المهمة، ذكر بوحرب تمكين المؤسسات الناشئة من عقد شراكات مع مؤسسات أجنبية، خاصة في المجال التكنولوجي، بما يسمح بتوطين التكنولوجيا في الجزائر، ما يمنح مختلف القطاعات الاقتصادية مزايا تنافسية مهمة على المستويين الإفريقي والمتوسطي، ويسهم في رفع أداء العديد من الصناعات، وعلى رأسها الصناعات الميكانيكية والتحويلية، من خلال تحسين الجودة وتعزيز القدرة التنافسية، خاصة وأنّ الحلول الرقمية والتكنولوجية التي توفرها المؤسسات الناشئة تساهم في تخفيض التكاليف وتحسين الإنتاجية، وتندرج هذه الخطوات ضمن رؤية وطنية تهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية وتفعيل الاقتصاد الرقمي، بما يخدم الاقتصاد الوطني على المستويين المحلي والإفريقي.



