معركة المستقبل تحسمها العقول القادرة على الابتكار
الجامعة الجزائرية انسجمت مع احتياجات الاقتصاد
النّظام البيئي الجزائري للمؤسّسات النّاشئة.. نموذجي
تتألّق الجامعة الجزائرية بتسجيل 164 مشروعا مقبولا قبل التمويل، و40 مشروعا حائزا على “لابل مشروع مبتكر”، إضافة إلى اعتماد 3 مؤسسات ناشئة و15 مقاولا ذاتيا دخلوا فعليا مرحلة النشاط والإنتاج في قطاعات مختلفة، ذات أهمية حيوية اختارها الطلبة، حيث توجّهت نسبة معتبرة من المشاريع نحو الصناعة والصناعات التحويلية، الفلاحة الذكية، الصحة، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، التكنولوجيا الزراعية، الاقتصاد الأخضر والخدمات الرقمية.
سجّل الخبير الاقتصادي، الدكتور هواري تيغرسي في اتصال مع “الشعب”، أن النظام البيئي لخلق المزيد من المؤسسات الناشئة بالجزائر أصبح قابلا للتصدير إقليميا على المستوى القاري، ومحل إشادة عالمية، والدليل على ذلك المؤتمر الإفريقي للمؤسسات الناشئة الذي أصبح تقليدا سنويا تمخّض عنه “إعلان الجزائر” كخارطة طريق تقود المؤسسات الناشئة الإفريقية، وتسطر نظامها البيئي.
هذا الحدث، يقول عنه تيغرسي إنه صار موعدا قاريا مهما للتعاون بين البلدان الإفريقية، التي تهدف إلى تطوير الابتكار في المؤسسات الناشئة وإعطاء الفرصة للشباب الإفريقي للمساهمة في الاقتصاد القاري، خاصة بعد ما برهنوا عليه من قصص النجاح التي تسهم بشكل فعال في تغيير واقع الاقتصاد الإفريقي، وتجسيد التحول الرقمي والتكنولوجي وتحقيق التطور الاقتصادي الذي تتطلع إليه دول القارة.
وأضاف تيغرسي أنّ مخطط عمل الحكومة الذي يحظى بدعم خاص وإرادة سياسية من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تم تصنيفه من طرف المتابعين للشأن الإفريقي كأحسن السياسات الحكومية التي تتبناها الدول الإفريقية، حيث منح فرصة للشباب المبتكر للمساهمة في بناء الاقتصاد القاري، من خلال القوانين التنظيمية الخاصة بالمؤسسات الناشئة، والتحفيزات الضريبية وتمويل البحث العلمي التي أصبحت اليوم بندا مهما ضمن قوانين المالية، وذلك من أجل إنشاء أكبر عدد ممكن من المؤسسات الناشئة.
الجامعة الجزائرية.. حاضنة الابتكار
أكّد الخبير الاقتصادي، الهواري تيغرسي، أن الحركية المتسارعة التي تشهدها الجامعة الجزائرية اليوم في مجال ريادة الأعمال والابتكار التكنولوجي، تمثل تحولا استراتيجيا عميقا في فلسفة التنمية الاقتصادية الوطنية، مشيرا إلى أن الجزائر بدأت فعليا في بناء نموذج اقتصادي جديد تقوده المعرفة، والتكنولوجيا، والطاقات الشبابية.
وأوضح تيغرسي أنّ حصيلة شهر أفريل 2026 الخاصة بالمشاريع الطلابية المبتكرة لا يمكن قراءتها كأرقام إدارية معزولة، فهي مؤشر حقيقي على ميلاد “اقتصاد جامعي منتج” في البلاد؛ لاسيما بعد تسجيل 164 مشروعا مقبولا قبل التمويل، و40 مشروعا حائزا على علامة “مشروع مبتكر”، إضافة إلى اعتماد 3 مؤسسات ناشئة و15 مقاولا ذاتيا دخلوا فعليا مرحلة النشاط والإنتاج، وأضاف أن هذه المعطيات الرقمية تعكس انتقال الدولة الجزائرية من منطق “تكوين طالب يبحث عن وظيفة” إلى “صناعة شاب قادر على خلق الوظائف والثروة”، واصفا هذا التحول بالمفصلي في مسار بناء اقتصاد متنوع ومستدام خارج قطاع المحروقات.
وفي سياق متصل، أبرز الخبير الاقتصادي أن القيمة المضافة للتجربة الحالية تكمن في نوعية وطبيعة القطاعات الإستراتيجية التي توجهت إليها الطاقات الشبابية، حيث تمّ تسجيل توجه معتبر نحو الصناعة والصناعات التحويلية، الفلاحة الذكية، الصحة، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، التكنولوجيا الزراعية، بالإضافة إلى الاقتصاد الأخضر والخدمات الرقمية، ليؤكّد بأن هذا التوجه يكرس بداية انسجام الجامعة الجزائرية – باعتبارها المعقل الأساسي ومهد الابتكار للشباب – مع احتياجات الاقتصاد الحقيقي، مبرزا أن المؤسسات الجامعية لم تعد مجرد فضاءات نظرية معزولة عن السوق، بعد أن تحولت تدريجيا إلى مراكز لإنتاج الحلول الاقتصادية والتكنولوجية الفعالة.
روّاد الأعمال الشباب.. النّخبة الاقتصادية
وسجّل تيغرسي أن الحركية الحالية داخل مؤسسات التعليم العالي تعكس بروز نخبة اقتصادية جديدة قادمة من المخابر الجامعية وحاضنات الأعمال، حيث أضحى الطالب الجزائري قادرا على التحول من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، ومن حامل لشهادة أكاديمية إلى مؤسس مشروع اقتصادي مبتكر.
وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى أنّ من أبرز المؤشرات الإيجابية في هذه التجربة هو اتّساع رقعتها الجغرافية، بعدما تجاوزت الجامعات الكبرى لتشمل ولايات الجنوب والهضاب العليا والمناطق الداخلية؛ على غرار تمنراست، أدرار، الأغواط، البيض، وآفلو، وهو ما يؤكّد تحول ثقافة الابتكار والمقاولاتية إلى ديناميكية وطنية شاملة.
وأوضح تيغرسي أن الجامعة الجزائرية ارتبطت لعقود طويلة بمنطق التوظيف الإداري والاعتماد شبه الكلي على القطاع العمومي، غير أن التحولات الاقتصادية العالمية والرهانات الداخلية فرضت إعادة تعريف دور الجامعة، لتصبح أداة إستراتيجية ومحورية في معركة التنويع الاقتصادي والتحول الفعلي نحو اقتصاد المعرفة.
اقتصاد المعرفة.. هدف يتحقّق
في هذا الإطار، شدّد تيغرسي على أن الرهان الحقيقي اليوم يقاس بعدد المؤسسات الناشئة التي يؤسّسها المتخرّجون، وحجم القيمة المضافة التي يخلقونها، فضلا عن قدرتهم على تطوير حلول تكنولوجية وصناعية وزراعية تخدم الاقتصاد الوطني، وأكد أن نظام منح علامة “مشروع مبتكر” أو الاعتماد الرسمي يمثل خطوة هامة في بناء منظومة اقتصادية جامعية حديثة؛ كونه يمنح الطالب شرعية اقتصادية تسمح له بالانتقال السلس من البحث الأكاديمي إلى عالم الاستثمار والإنتاج الفعلي، كما اعتبر أن حصيلة أفريل 2026 تمثل نقطة تحول حقيقية كونها أثبتت أن مسار الابتكار الجامعي أضحى مسارا منتظما ومؤسساتيا وقابلا للقياس والتطوير، متجاوزا منطق المبادرات الظرفية المرتبطة بالمناسبات أو التظاهرات العلمية المؤقتة.
وفي سياق متصل، أشار محدّثنا إلى أن الجامعات الجزائرية بدأت تندمج تدريجيا ضمن شبكة وطنية متكاملة تربط بين البحث العلمي، التمويل، الحاضنات، المؤسسات الناشئة، وآلية المقاول الذاتي، وهي الديناميكية التي من شأنها أن تشكل مستقبلا العمود الفقري لـ “اقتصاد المعرفة الجزائري”.
كفاءات مقتدرة..
وعن المناخ الواجب توفيره لضمان انتقال المشاريع الحائزة على جوائز أو اعتمادات أكاديمية إلى شركات ناشئة قادرة على التوسع، والتصدير، وخلق مناصب الشغل، وتوطين التكنولوجيا، دعا تيغرسي إلى ضرورة تسهيل التمويل الذكي للمشاريع الطلابية، وتعزيز الربط بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، كما شدّد على أهمية فتح الأسواق أمام الابتكار المحلي، وتطوير ثقافة الملكية الفكرية، مع توجيه البحث العلمي نحو ابتكار الحلول الصناعية، والزراعية، والتكنولوجية الفعلية التي تخدم الاقتصاد الوطني.
وأكّد تيغرسي أن الجزائر تمتلك إحدى أكبر الطاقات الشبابية في إفريقيا، وأن نجاحها في تحويل هذه الكفاءات إلى مؤسسات ناشئة وصناعات تكنولوجية يمنحها فرصة تاريخية لبناء قوة اقتصادية إقليمية جديدة، مبرزا أن معركة المستقبل لن تحسم إلا بالعقول المبتكرة، والجامعات المنتجة للحلول، والشباب القادر على تحويل الأفكار إلى مؤسسات تخلق الثروة والسيادة الاقتصادية.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أنّ ما تشهده الجامعة الجزائرية يمثل بداية تشكّل اقتصاد جزائري جديد يولد بهدوء داخل المخابر الجامعية، وهو مرشّح لأن يتحوّل خلال السنوات القادمة إلى أحد أهم أعمدة التنمية الوطنية والسيادة الاقتصادية للبلاد.





