المنظومـــة الوطنيـة انتقلــت مــن مرحلـة التّأسيــس إلــى مرحلة التكامــل
ربـط المشاريـــع المبتكـــرة بالمؤسّــسات الاقتصاديـة يسرع الشركــات الناشــئة
دفعـات مــدارس النّخبة.. كفـــاءات عاليـة التأهيل لقــيادة السّيــادة التكنولوجــية
يشكّل قرار الحكومة اعتماد مخطط عمل يستهدف استحداث 20 ألف مؤسسة ناشئة بحلول عام 2029 محطة محورية في مسار بناء اقتصاد وطني قائم على الابتكار والتكنولوجيا والمعرفة، ويعكس – في الوقت ذاته – الرغبة في الانتقال من مرحلة بناء المنظومة القانونية والتنظيمية للمؤسسات الناشئة، إلى مرحلة توسيع نطاق تأثيرها الاقتصادي، وتعزيز حضورها داخل الأسواق الوطنية والإفريقية والدولية.
يأتي هذا التوجه في سياق ديناميكية تشهدها الجزائر منذ عدة سنوات لتطوير اقتصاد المعرفة، من خلال استحداث آليات قانونية ومؤسساتية جديدة، وإطلاق منظومة متكاملة لمرافقة المشاريع المبتكرة وتمويلها، وتحويلها إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير في المؤسسات الناشئة عز الدين شيباني، أن الجزائر قطعت أشواطا مهمة في بناء نظام بيئي متكامل للمؤسسات الناشئة، وأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة التسريع والتوسع والاندماج في الأسواق الخارجية، خاصة داخل القارة الإفريقية.
وأكّد شيباني في تصريح لـ “الشعب”، أن تقييم النظام البيئي للمؤسسات الناشئة في الجزائر ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مختلف المراحل التي مرت بها التجربة الوطنية خلال السنوات الأخيرة، سواء من الناحية القانونية أو من ناحية استكمال مختلف حلقات المرافقة والدعم.
وأوضح محدثنا أن الجزائر تمتلك اليوم منظومة متكاملة تتشكل من عدة عناصر مترابطة تشمل المشروع المبتكر والمؤسسة الناشئة والحاضنة ومسرعة الأعمال، حيث أصبح لدينا اليوم أربعة أنماط، وهي مكونات تسمح بانتقال المشروع من مجرد فكرة إلى مؤسسة ناشئة قادرة على النمو والتوسع، ثم ينتقل إلى مؤسسة متسارعة، وخلال هذه المرحلة، تلعب الحاضنات دورا محوريا في مرافقة أصحاب المشاريع المبتكرة خلال المراحل الأولى من تطوير أفكارهم، إذ توفر لهم التأطير والتوجيه والمرافقة التقنية اللازمة لتحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للتجسيد. وبعد حصول المشروع على علامة “مؤسسة ناشئة”، تنتقل عملية المرافقة إلى مستوى جديد من خلال مسرعات الأعمال التي تعمل على تسريع النمو، وتطوير القدرات التجارية والمالية للمؤسسات الناشئة.
ويرى شيباني أن التكامل بين مختلف الهياكل والأدوات يشكل أحد أبرز المكاسب التي حققتها الجزائر في مجال اقتصاد المعرفة، لأنه يوفر مسارا واضحا للمبتكرين وأصحاب المشاريع منذ المراحل الأولى، وحتى الوصول إلى مرحلة النمو والتوسع، إلى الانفتاح على التجارب الدولية لتعزيز قدرات الشركات الناشئة، ولفت إلى أن المؤسسات التابعة لوزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، قامت – خلال السنوات الماضية – بمجهودات معتبرة من أجل ربط المؤسسات الناشئة الجزائرية بمختلف الأنظمة البيئية الدولية.
وأوضح محدّثنا أنّه تمّ تنظيم العديد من الزيارات والبعثات نحو دول مختلفة عبر العالم، بهدف تمكين أصحاب المشاريع المبتكرة والمؤسسات الناشئة والحاضنات الحاصلة على العلامات الرسمية من الاطلاع على التجارب العالمية، والاستفادة من الممارسات الناجحة المعتمدة في الدول الرائدة في مجال الابتكار، وأضاف أن هذه المبادرات أتاحت للمؤسسات الجزائرية فرصة عرض مشاريعها وحلولها التكنولوجية أمام شركاء ومستثمرين دوليين، كما سمحت لها بالتعرف على احتياجات الأسواق الخارجية، واختبار مدى قدرة منتجاتها وخدماتها على المنافسة خارج السوق المحلية، ليؤكّد أن هذه التجارب ساهمت في تعزيز نضج المؤسسات الناشئة الجزائرية، وفتحت أمامها آفاقا جديدة للتعاون والاستثمار والتوسع الدولي.
آليـــات نمـــو جديـدة
بخصوص الهدف الحكومي المتمثل في استحداث 20 ألف مؤسسة ناشئة بحلول عام 2029، أوضح شيباني أن هذا الرقم يعكس طموحا كبيرا، ويتطلّب اعتماد مقاربات جديدة تتلاءم مع المرحلة المقبلة، وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف يعني عمليا إنشاء ما يقارب 6666 مؤسسة ناشئة سنويا خلال السنوات الثلاث القادمة، وهو ما يستدعي الانتقال من مرحلة بناء المنظومة، إلى مرحلة تسريع وتيرة النمو، وتوسيع قاعدة المؤسسات المستفيدة من مختلف آليات الدعم والمرافقة.
وأوضح شيباني أنّ تحقيق هدف 20 ألف مؤسسة ناشئة في غضون ثلاث سنوات، يتطلب إستراتيجية تراهن عليها السلطات العليا، فالمرحلة الجديدة – يقول محدثنا – تقوم على ربط المؤسسات الناشئة مباشرة بالاقتصاد، من خلال تمكينها من الاستفادة من آلية “المشروع المبتكر” داخل المؤسسات الاقتصادية، سواء العمومية أو الخاصة، بما يسمح بتحويل الأفكار والابتكارات إلى حلول عملية تستجيب لاحتياجات فعلية داخل السوق.
وأشار شيباني إلى أنّ البحث والتطوير داخل المؤسسات الاقتصادية يمكن أن يشكّل رافعة جديدة للمؤسسات الناشئة، لأنه يمنحها إمكانية الحصول على طلبيات وعقود وخدمات حقيقية، وهو ما يساعدها على تحقيق الاستقرار المالي وتسريع وتيرة نموها، وأكد أن المؤسسة الناشئة تصبح أكثر قدرة على التوسع وتطوير منتجاتها وخدماتها عندما تتمكن من الظفر بطلبيات من المؤسسات الاقتصادية.
ويرى شيباني أن الهدف الأساسي من هذه المقاربة هو خلق مؤسسات ناشئة قوية وقابلة للنمو السريع، بما يسمح لها بتجاوز حدود السوق المحلية والانفتاح على الأسواق الدولية، وأوضح أن المسار الطبيعي لنمو المؤسسة الناشئة يبدأ بتحقيق الاستقرار داخل السوق الوطنية، ورفع قدراتها المالية وتوسيع قاعدة خدماتها، قبل الانتقال إلى مرحلة التوسع الخارجي، خاصة بالأسواق الإفريقية التي تمثل اليوم أحد أهم الفضاءات الواعدة أمام المؤسسات الناشئة الجزائرية.
آفــاق التّوســــّع الخارجـي
وفي حديثه عن آفاق التوسع الخارجي، أكّد شيباني أن المرحلة المقبلة ستركّز على تمكين المؤسسات الناشئة الجزائرية من الولوج إلى الأسواق الإفريقية، موضّحا أنّ المؤسسة الناشئة تمر عادة بعدة مراحل تبدأ بتحقيق الاستقرار داخل السوق الوطنية، ثم تعزيز قدراتها المالية والتجارية، قبل الانتقال إلى مرحلة التوسع الخارجي، وأشار إلى أن القارة الإفريقية توفّر فرصا كبيرة للمؤسسات الناشئة الجزائرية، خاصة في المجالات المرتبطة بالحلول الرقمية والخدمات التكنولوجية والابتكارات الموجهة للمؤسسات الاقتصادية، واستشهد – في السياق – بالمعرض الإفريقي للتجارة البينية الذي احتضنته الجزائر، حيث شهد مشاركة واسعة لشركات ناشئة من مختلف الدول الإفريقية، تمكنت من عرض مشاريعها وبناء علاقات تعاون مع مؤسسات اقتصادية وبحث فرص استثمار جديدة، ليؤكّد أن تلك التجربة أبرزت حجم الطلب الموجود داخل الأسواق الإفريقية على الحلول المبتكرة، وأكدت – في الوقت ذاته – قدرة المؤسسات الجزائرية على المنافسة وتقديم خدمات تستجيب لاحتياجات هذه الأسواق.
وقال محدّثنا إنّ هذا المعطى كان من بين العوامل التي دفعت السلطات العمومية إلى التفكير في توسيع دائرة الدعم والمرافقة، بما يسمح للمؤسسات الناشئة الجزائرية بالتموقع بشكل أفضل داخل الفضاء الإفريقي.
حضـــور متزايـــد فــي المعــارض
وفيما يتعلق بالتمويل، أوضح شيباني أن المؤسسات الناشئة الجزائرية تحظى بحضور متزايد داخل مختلف التظاهرات الاقتصادية والتكنولوجية التي تنظم سنويا في الجزائر، وأشار إلى أن عدد الصالونات والمعارض المنظمة سنويا يتجاوز 35 صالونا، وأن أغلب هذه التظاهرات تخصّص فضاءات للمؤسسات الناشئة من أجل عرض منتجاتها وخدماتها والتعريف بقدراتها الابتكارية، وأضاف أن هذا الحضور المتواصل ساهم في زيادة اهتمام المستثمرين المحليين والأجانب بالمؤسسات الناشئة الجزائرية، كما شجع العديد من صناديق الاستثمار ورؤوس الأموال المخاطرة على متابعة المشاريع الجزائرية والبحث عن فرص للمساهمة فيها.
وأكّد شيباني أنّ عددا من المؤسسات الناشئة الجزائرية نجحت بالفعل في استقطاب استثمارات خارجية، حيث أن بعض الشركات الجزائرية التي استثمرت في الولايات المتحدة الأمريكية تمكنت من تقديم خدمات وحلول وتوسع في الرصيد المالي والسوقي، وأضاف: أنها “تمكنت من جمع رؤوس أموال في أسواق دولية، الأمر الذي سمح لها بتوسيع نشاطها وتعزيز حضورها داخل أسواق جديدة”، ليشير إلى أن هذا التطور يعكس مستوى النضج الذي بدأت تبلغه المؤسسات الناشئة الجزائرية، ويؤكّد أن التجربة الوطنية أصبحت محل اهتمام متزايد من قبل مختلف الفاعلين في مجال الاستثمار التكنولوجي.
كفــاءات جديـدة
وشدّد شيباني على أن الجزائر مقبلة على مرحلة جديدة في مسار تطوير المؤسسات الناشئة، خاصة مع اقتراب تخرج أول الدفعات الجديدة من المدارس الوطنية العليا المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والرياضيات والنانو التكنولوجي، وغيرها من التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، وأوضح أن الكفاءات الجديدة ستشكل خزانا مهما للمشاريع المبتكرة وللمؤسسات الناشئة المستقبلية، كما ستوفر موارد بشرية عالية التأهيل قادرة على تطوير حلول تكنولوجية تنافسية تستجيب لاحتياجات السوق الوطنية والإفريقية والدولية.
وخلص الخبير إلى التأكيد على أن إدراج هدف إنشاء 20 ألف مؤسسة ناشئة ضمن مخطط عمل الحكومة، يعكس دخول الجزائر مرحلة جديدة عنوانها تسريع الأعمال وتوسيع قاعدة الابتكار، بما يسمح بتحويل المؤسسات الناشئة إلى أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي والتنويع، وخلق الثروة خلال السنوات المقبلة والولوج إلى الأسواق الإفريقية.





