سيغـة لـ «الشعب»: حدث يتجاوز البعد البروتوكولي أو الرّمزي
أكّد المحلل السياسي عمار سيغة، أنّ تزكية السفير عمار بن جامع، الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، بالإجماع من طرف المجموعة الإفريقية لتولي رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة للفترة الممتدة بين 2026 و2027، تمثل حدثا يتجاوز البعد البروتوكولي أو الرّمزي، لتشكّل محطة استراتيجية تعكس تحوّلات عميقة في موقع الجزائر داخل المنظومة الأممية وفي بنية العلاقات الدولية الراهنة.
أوضح سيغة في تصريح لـ»الشعب» أنّ هذا الانتخاب يأتي في ظرف دولي دقيق يتّسم بإعادة تشكيل موازين القوى، وتنامي التوترات الجيوسياسية، وتزايد حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل من بروز قوى متوازنة داخل المؤسّسات الدولية عنصرا حاسما في إعادة صياغة النقاش العالمي حول التنمية والأمن والعدالة الدولية.
وأشار المتحدث إلى أنّ هذا التتويج يكرّس مسارا تصاعديا للدبلوماسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، التي استطاعت استعادة موقعها داخل دوائر التأثير متعدّد الأطراف، من خلال خطاب دبلوماسي قائم على الاستقلالية في القرار، ورفض الاصطفاف، وتغليب الحلول السياسية على منطق القوة، وهو ما منحها حضورا متجدّدا داخل الأمم المتحدة.
وأضاف سيغة أنّ الأداء الذي بصم عليه السفير عمار بن جامع داخل أروقة المنظمة الأممية، ساهم بشكل مباشر في تعزيز هذا المسار، حيث برز كأحد الأصوات الدبلوماسية النشطة في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن الدوليّين، وفي الدفاع عن قضايا الدول النامية، خصوصًا في القارة الإفريقية، إضافة إلى مساهمته في بناء جسور التفاهم داخل ملفات دولية معقّدة.
ترسيخ موقع الجزائر المنتصرة
في هذا السياق، قال سيغة أنّ انتخاب الجزائر على رأس المجلس الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن فصله عن التحوّلات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، حيث تتزايد حدة الاستقطاب بين القوى الكبرى، وتتّسع الفجوة بين الشمال والجنوب، وتتفاقم الأزمات المرتبطة بالتنمية والديون والأمن الغذائي، مؤكّدا أنّ الجزائر نجحت خلال السنوات الأخيرة، في ترسيخ نهج دبلوماسي يقوم على الحوار وتغليب الحلول السلمية ورفض التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما منحها رصيدا مهما من المصداقية داخل المنظومة الأممية، ورسّخ صورتها كدولة قادرة على لعب دور الوسيط المتزن في القضايا الإقليمية والدولية.
وأضاف محدثنا أنّ هذا النهج لم يكن ظرفيًا، بل هو امتداد لمدرسة دبلوماسية جزائرية تاريخية تقوم على الجمع بين الثوابت المبدئية والمرونة السياسية، بما يسمح لها بالحفاظ على استقلالية قرارها وتعزيز حضورها داخل الفضاء الدولي متعدّد الأطراف، مشيرا إلى أنّ هذا التتويج يأتي امتدادًا لسلسلة من النجاحات التي راكمتها الجزائر في السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الإقليمي، حيث عزّزت حضورها داخل الأمم المتحدة، وكرّست صوتها في الدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية والقضايا الإفريقية، إضافة إلى مساهمتها في دعم مسارات التسوية السياسية في محيطها الإقليمي.
وفي السياق ذاته، أبرز سيغة أنّ الجزائر استطاعت تعزيز موقعها كفاعل طاقوي مهم على الساحة الدولية، خاصة في ظلّ التحوّلات التي شهدها سوق الطاقة عالميًا، وهو ما منحها هامش تأثير إضافي في علاقاتها مع الشركاء الدوليّين، خصوصًا في أوروبا والفضاء المتوسطي، كما لفت إلى أنّ الحفاظ على الاستقرار الداخلي رغم التحديات الإقليمية المحيطة، ساهم في تعزيز صورة الجزائر كدولة قادرة على الموازنة بين متطلبات الداخل وانشغالات الخارج، وهو عنصر أساسي في بناء المصداقية الدولية.
وفي قراءة أعمق، اعتبر سيغة أنّ تزكية المجموعة الإفريقية بالإجماع تعكس حجم الثقة التي تحظى بها الجزائر داخل القارة الإفريقية، وتؤكّد التفاف الدول الإفريقية حول دبلوماسيتها باعتبارها طرفًا فاعلًا ومدافعًا عن القضايا الإفريقية العادلة، سواء تعلق الأمر بالتنمية أو الأمن أو التمثيل داخل المؤسّسات الدولية. ويرى أنّ هذا الموقف الإفريقي ليس وليد اللحظة، بل يستند إلى إرث تاريخي مرتبط بدور الجزائر في دعم حركات التحرّر في إفريقيا والعالم، وهو إرث لا يزال يشكّل أحد مصادر قوتها الرمزية والسياسية داخل القارة.
رهانات التنمية وإصلاح النظام الدولي
في الجانب الاستراتيجي، شدّد المحلل السياسي على أنّ رئاسة الجزائر للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، تمثل فرصة مهمة لقيادة الأجندة الإفريقية داخل واحدة من أهم المؤسّسات الأممية المعنية بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، بما يسمح بإعادة طرح أولويات دول الجنوب داخل النقاش الدولي.
وأوضح المتحدث أنّ من أبرز الملفات المطروحة بقوة اليوم على الساحة الدولية، إصلاح النظام المالي العالمي الذي لا يزال يعاني من اختلالات بنيوية تعيق الدول النامية عن تحقيق تنمية مستدامة، إلى جانب ملف الديون الإفريقية الذي يشكّل عبئًا كبيرًا على اقتصادات القارة، مشيرا إلى أهمية ملف الأمن الغذائي الذي أصبح تحديًا عالميًا متصاعدًا، إضافة إلى قضايا التغيّر المناخي التي تضاعف من هشاشة الدول النامية، فضلًا عن الفجوة التكنولوجية المتزايدة بين الشمال والجنوب.
وأكّد سيغة، أنّ الجزائر من خلال انخراطها داخل إطار مجموعة 77 والصين، تمتلك منصة استراتيجية مهمة للدفاع عن مصالح الدول النامية، والعمل على تحويل المطالب السياسية والتنموية إلى سياسات ملموسة داخل المنظومة الأممية، موضّحا أنّ هذا الموقع يتيح لبلادنا فرصة الانتقال من مجرّد التعبير عن المواقف إلى التأثير الفعلي في صياغة الأولويات الدولية، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في أدائها الدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، أكّد سيغة أنّ الجزائر لم تعد تكتفي بدور المشارك في النقاشات الدولية، بل أصبحت طرفًا يسعى إلى التأثير في إعادة تشكيل التوازنات الدولية، والدفع نحو نظام عالمي أكثر عدالة وإنصافًا، يقوم على الشراكة بدل الهيمنة، مضيفا أنّ هذا المنصب الأممي لا يقتصر على إدارة الجلسات فقط، بل يشمل أيضًا القدرة على بناء توافقات داخل ملفات معقّدة تتطلّب توازنات دقيقة بين مختلف الأطراف الدولية، ما يمنح الجزائر هامشًا أوسع للحضور الفاعل في صناعة القرار.
وأفاد سيغة أنّ هذا المسار الجديد، الذي تعزّزه الجزائر داخل المؤسّسات الأممية لا يمكن فصله عن التحول التدريجي في طبيعة الدبلوماسية العالمية نفسها، التي لم تعد تقوم فقط على منطق التمثيل السياسي التقليدي، بل أصبحت تعتمد على الفاعلية الاقتصادية والتنموية في إعادة تشكيل النفوذ الدولي. وقال أنّ تولي الجزائر لهذا المنصب يمنحها فرصة لإبراز نموذج دبلوماسي يجمع بين البعد السياسي والبعد التنموي، وهو ما يتماشى مع التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي نحو إعادة تعريف مفهوم القوة، حيث لم يعد النفوذ يقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضًا بمدى التأثير في قضايا التنمية المستدامة وتقليص الفوارق بين الدول.

