إطـار قانونـي صـارم.. ربــط حسابـــات الشركــات الكـبرى بالبحث العلمـي والشركــات الناشئــة
شرّح ثلة من الخبراء والمسؤولين في قطاع المؤسّسات الناشئة، واقتصاد المعرفة، والتعليم العالي، بالمدرسة المتعدّدة التقنيات بالحرّاش، مؤخّرا، واقع البيئة الريادية في الجزائر، حيث تناولوا بالعرض والنقد مكامن الخلل في تصنيف الجزائر ضمن المؤشّرات الدولية، والآليات الجديدة المقترحة لتجاوز العقدة النفسية تجاه المنتج المحلي، فضلا عن الأطر القانونية والتحفيزية التي أقرّتها الدولة مؤخّرا لدفع عجلة الابتكار المفتوح، من خلال الوقوف على نجاح بعض الأنظمة البيئية في تحقيق نمو مستدام وإنشاء شركات ناشئة عالية الأداء، وشركات صغيرة ومتوسطة تنافسية، بوظائف ذات مهارات عالية، بينما تكافح أنظمة أخرى لإحداث تأثير ملموس.
استهدف المتدخّلون، بالتحليل والنقاش، عوامل النجاح الرئيسية لنظام بيئي ريادي يركّز على الابتكار من أجل فهم آليات خلق القيمة، التفاعلات بين الجهات المعنية، المعوقات الراهنة، الفرص المتاحة للجزائر، والإجراءات العملية الواجب اتخاذها ومدى اقتصار الابتكار على الشركات الناشئة فقط، واعتماد النظام البيئي عالي الأداء على التعاون بين القطاعين العام والخاص.
دامو: هندسة الابتكار وتحدي التموقع في التصنيفات العالمية
في هذا الإطار استهل محمد دامو، رئيس مجلس إدارة معهد “حبة” الذي يعنى بتسريع وتطوير الشركات الناشئة، النقاش بالحديث عن الجذور التاريخية للمشاريع الابتكارية في الجزائر، مستشهداً بنموذج “المروحية الشمسية” عام 1975 التي بقيت حبيسة مرحلة النموذج الأولي ولم تحظَ بالدعم الكافي لتتحول إلى ثورة صناعية.
وحول لغز المرتبة المتأخّرة في مؤشّر الابتكار العالمي، أثار دامو علامات استفهام كبرى حول المفارقة بين امتلاك الجزائر لثروات بشرية وكفاءات عالية وبين تصنيفها المتأخّر جدا في مؤشّر الابتكار العالمي، حيث كانت تقبع في المراتب (125 إلى 128 من أصل 130 دولة).
خارطـــة طريـق لتصحيـــح المســـار
دعا رئيس مجلس إدارة معهد “حبة” إلى الاقتداء بالنموذج المصري الذي نجح عبر عمل جدّي وتنسيق مباشر مع لجنة الابتكار الدولية، في القفز إلى قائمة المائة الأوائل عالميا، مؤكّدا ضرورة تبني معايير الأداء العالمية والدخول في “القالب الدولي” مستشهدا بمقولة السوسيولوجي مصطفى الأشرف، التي طالب فيها الجزائريون بـ “الطبيعية” و«المعيارية” حيث “يجب أن يقتنع الجزائريّون بشيء واحد، وهو أنهم ليسوا أسوأ ولا أفضل من الشعوب الأخرى..لديهم عيوبهم ومزاياهم، والشيء الوحيد الذي يجب أن يطالبوا به هو أن يكونوا طبيعيين وضمن المعيار”.وأشار المتحدّث إلى أنّ مؤشّر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هو المؤشّر الوحيد الذي تقع فيه الجزائر ضمن المعيار الدولي في المرتبة 70-75 عالميا، ممّا يثبت القدرة على استخدام الوسائل الوطنية بطريقة معقولة.
تقزوت: عقدة المنتج المحلي.. المعرقل الأول للابتكار
من جانبه، ركّز سمير تقزوت، مدير اقتصاد المعرفة، على العوامل النفسية والهيكلية التي تحكم سلوك الفاعلين الاقتصاديّين تجاه الابتكار المحلي، منتقدا “العقدة” التي تجعل البعض لا يثق في المشاريع المبتكرة إلا إذا نُفذت في الخارج، مؤكّدا وجود مقاومة شرسة من طرف مسيّرين ومهندسين تجاه الحلول المبتكرة الوطنية، حيث يفضّلون شراء حلول أجنبية جاهزة لمجرّد الخوف من نسبة خطأ ضئيلة.
ودعا تقزوت إلى ضرورة “عقلنة وتقبل الخطأ” في المنظومة البيئية الريادية، مستذكرا تجربة تطوير مشترك مع جنوب إفريقيا لإثبات أنّ أي مشروع مبتكر لا ينجح أبدا من المرة الأولى، من خلال هيكلة المنظومة والتحكّم في سلسلة القيمة.
ويرى المتحدّث أنّ منظومة الابتكار تتطلّب إطارا استراتيجيا تتكامل فيه أدوار الحكومة، الجامعات، الشركات، وحاملي الحلول، داعيا الشركات إلى تشريح “سلسلة القيمة” الخاصة بها لمعرفة مدخلاتها وتكلفتها، مشيراً إلى أنّ هذا التحليل يقود آليا نحو “الابتكار المفتوح” عبر إشراك الطلبة أو المخابر المجاورة لتقليل التكاليف وزيادة السرعة.
الإدارة.. علــــم وليـــس ســـدّ شغــــور وظيفـي
في المقابل انتقد مدير اقتصاد المعرفة، إدارة الموارد البشرية والوسائل العامة ببعض الشركات، مؤكّدا أنّ الإدارة علم قائم بذاته وليس مجّرد سدّ شغور وظيفي، متطرّقا إلى مفهوم التميز التشغيلي والخلط المفاهيمي بين مصطلحي المصاريف التشغيلية في مقابل الاستثمارات، مشدّدا أنّ العبرة تكمن في المضمون الإداري لمنهجيات الجودة وخارطة الطريق الواضحة.
وفي المحور الأخير من الندوة، كشف تقزوت عن تفاصيل حصرية تخص الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها مديرية اقتصاد المعرفة لتصحيح وضعية الجزائر الدولية وتحفيز الشركات ماليا، معلنا عن استقبال مسؤولين من المنظمة العالمية للملكية الفكرية في الخريف الماضي، حيث تمّ مواجهتهم بالعيوب المفاهيمية في نماذجهم الرياضية وخوارزمياتهم، وأعطى مثالاً بالقروض المصغّرة.
قانون “ابتكر أو مت” وتحفيزات جبائية في قانون المالية 2026
أكّد مدير اقتصاد المعرفة، أنّ السلطات العمومية وضعت إطارا قانونيا صارما يدفع الشركات نحو الابتكار لحماية الأمن الوطني وبناء مجتمع يقاوم ويصمد، معتبرا أنّ عدم التحكّم في سلسلة القيمة يعني الموت الاقتصادي، وتتضمّن التحفيزات استرداد الضريبة من خلال إمكانية إنفاق الشركات حتى 200 مليون دج في البحث والتطوير والابتكار المفتوح مع الشركات الناشئة، مع استرداد 30 بالمائة من ضريبة أرباح الشركات، وسط مساع حكومية لإلغاء السقف تماما، ناهيك عن قاعدة 1 بالمائة في قانون المالية 2026، حيث تم إلزام الحسابات الكبرى باستثمار هذه النسبة من أرباحها في البحث والتطوير والابتكار داخليا أو مع الجامعات والشركات الناشئة وشراء براءات الاختراع، وفي حال عدم الإنفاق تدفع القيمة كضريبة مباشرة على غرار ضريبة التكوين.
وبحسب المتحدّث يتم حاليا مناقشة مرسومها التنفيذي على مستوى الوزارة الأولى لتحديد أدلة الإثبات، وتصنيف الاستثمارات الفكرية كـ “أصول غير ملموسة” في الميزانية، بقانون هام موجود منذ 2018 ومفعّل حاليا، يسمح للشركات بالتصريح بإنجازاتها في البحث والتطوير والبرمجيات كـ “أصول غير مادية” في الميزانية السنوية بدلا من تقييدها كأعباء.
وأوضح المتحدث أنّ هذا القانون يحمي الملكية الفكرية والبراءات وحقوق التأليف، ويساهم بشكل مباشر في رفع القيمة السوقية للشركات الجزائريّة، ممّا يسهّل عمليات الاستحواذ، والشراكات الاستراتيجية، والمشاريع المشتركة بناء على تقييم مالي حقيقي وملموس.
بسليمان: مسؤولية المسيّر تحقيق الأرباح المستدامة عبر الابتكار
من جهته، أكّد الرئيس المدير العام لشركة “مينيروز” يوسف بسليمان على أهمية وضوح الرؤية المنسجمة بين جميع الأطراف، مثمّنا الإرادة السياسية المعلنة من قِبل السلطات العمومية ورئيس الجمهورية للدفع بهذا القطاع.
وأوضح بسليمان أنّ الدولة هي الراعية للتنمية، لكن الشركة هي المحرّك الفعلي الذي يحول الديناميكية إلى قيمة اقتصادية، مشدّدا على ضرورة التفرقة بين “المساهم” و«المسيّر”، حيث يقع على عاتق المساهم ذكاء اختيار المسيّر المناسب، بينما تنحصر المسؤولية الرئيسية للمسيّر في تحقيق أرباح مستدامة، وهو أمر مستحيل دون امتلاك مواهب قادرة على الابتكار وبناء ثقافة ابتكار داخلية، مشيرا إلى أنّ أفضل مهارة في العالم المتغيّر اليوم تحت ضغوط المنافسة والرهانات الجيوسياسية والتكنولوجية، هي “القدرة على إعادة التعلّم”، داعيا رؤساء الشركات إلى عدم الانغلاق، والتحول إلى قادة مؤثرين يفتحون قنوات التعاون مع الشركات الناشئة والمؤسّسات، مؤكّدا أنّ “المال هو الذي يصنع الفارق” لتحويل الأفكار والالتزام والأخلاقيات إلى مشاريع حية ومربحة.
في المقابل، تطرّق نائب مدير برنامج السياسة البيئية المسؤول عن نظم المعلومات والاتصالات والعلاقات الخارجية بالمدرسة المتعدّدة التقنيات، الأستاذ زواغي، إلى التحول الجذري في المفاهيم الأكاديمية والعملية منذ عام 2007، حيث أصبح من الطبيعي بموجب القانون خلق منتجات تكنولوجية وشركات ناشئة انطلاقا من أسوار الجامعة.
واستعرض زواغي جملة من الآليات الميدانية المتاحة حاليا لحاملي المشاريع، كالحاضنات والـ “فاب لابس” أو مختبرات مجهّزة لصناعة النماذج الأولية بمرافقة مهندسين مختصين، مراكز تطوير ريادة الأعمال، مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار، ودار الذكاء الاصطناعي لدمج حلول الذكاء الاصطناعي في الهندسة بمختلف التخصّصات وطوال مراحل النضج التكنولوجي وتحدي تمويل الابتكار الجذري.
وأوضح المتحدّث أنّ الابتكار ليس دائما جذريا، بل قد يكون تدريجياً يعتمد على تعلّم التقليد والتحكّم في الممارسات والتكنولوجيات عبر التكوين المستمر وتأهيل العمّال، مشيرا إلى أنّ الابتكار المرتبط بمستويات الجاهزية التكنولوجية العالية يحتاج في بداياته إلى النماذج الأولية والمنتجات الدنيا القابلة للاختبارات، وإلى تمويلات ضخمة ومساعدة مسبقة من الدولة، قبل أن تصبح الشركات قادرة على تبنيه وتمويله بشكل كامل.






