تحوّلت مدينة الدار البيضاء المغربية، قبل يومين، إلى منصة وطنية للتعبير عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية، بعدما احتضنت مسيرة جماهيرية كبيرة دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بمشاركة آلاف النقابيين والعمال والمتقاعدين وفعاليات سياسية وحقوقية، في مشهد عكس حجم التحديات الاجتماعية التي تواجهها فئات واسعة من المغاربة في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة.
شهدت شوارع العاصمة الاقتصادية للمملكة تدفق أعداد كبيرة من المشاركين القادمين من مختلف جهات البلاد، حيث رفعت شعارات تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، وحماية القدرة الشرائية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، إلى جانب الدعوة إلى إقرار سياسات أكثر استجابة لتطلعات العمال المغاربة والأسر المتضررة من ارتفاع تكاليف الحياة.
احتجاج في ظرفية دقيقة
وتأتي هذه التعبئة النقابية في سياق وطني يتسم باستمرار النقاش حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وما رافقها من ارتفاع في أسعار عدد من المواد الاستهلاكية والخدمات الأساسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ميزانية الأسر المغربية.
ويرى متابعون أنّ المسيرة شكّلت مناسبة للتعبير عن انشغالات فئات واسعة من المواطنين بشأن التشغيل والأجور والتقاعد والحماية الاجتماعية، كما أعادت إلى الواجهة مطالب تقوية الطبقة المتوسطة ومواصلة الإصلاحات الاجتماعية التي من شأنها التخفيف من الضغوط الاقتصادية على المواطنين.
رسالة قويّة
وخلال التجمع الخطابي الذي أعقب المسيرة، أكد الأمين العام الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن هذه المحطة النضالية تأتي للتعبير عن انشغالات العمال المغاربة ومختلف الفئات الاجتماعية التي تواجه صعوبات مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتحديات التشغيل.
وأوضح أنّ النقابة تعتبر الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال جزءاً أساسياً من رسالتها، مؤكداً استمرارها في الترافع من أجل تحسين الأجور وصيانة المكتسبات الاجتماعية، وتعزيز الحوار الاجتماعي باعتباره الآلية المثلى لمعالجة الملفات العالقة.
وأشار إلى أنّ المرحلة الراهنة تفرض إطلاق مبادرات أكثر جرأة لمعالجة الاختلالات الاجتماعية وضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار التنمية، بما يساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وترسيخ الثقة بين مختلف الفاعلين.
وتميّزت المسيرة بحضور عدد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين الذين عبروا عن تضامنهم مع المطالب الاجتماعية المطروحة، معتبرين أن الحوار الجاد والمسؤول يظل السبيل الأمثل لتجاوز التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة.
ملفات حاضرة
ولم تقتصر مطالب المشاركين على الجانب المعيشي فقط، بل امتدت إلى ملفات استراتيجية ترتبط بالتشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، حيث اعتبر المحتجون أن هذه القطاعات تشكل الركائز الأساسية لأي نموذج تنموي ناجح وقادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
كما دعا المتدخّلون إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الاجتماعية وتعزيز الاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره المدخل الرئيسي لتحقيق التنمية الشاملة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويرى مراقبون أنّ مسيرة الدار البيضاء حملت أبعاداً تتجاوز الطابع النقابي الصرف، إذ وجّهت رسالة واضحة بشأن أهمية جعل القضايا الاجتماعية في صلب النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب محطات سياسية وانتخابية مهمة.
كما أظهرت هذه المحطة أنّ الملف الاجتماعي سيظل أحد أبرز الرهانات المطروحة على مختلف الفاعلين والمؤسسات، في ظل تطلع المواطنين إلى حلول عملية قادرة على تحسين ظروف العيش، وتعزيز فرص الشغل وترسيخ العدالة الاجتماعية.




