تشكل الثقافة محورا استراتيجيا في مسار بناء الجزائر، وقد تجسدت هذه الرؤية في الفترة الأخيرة في مضاعفة الدولة جهودها من حيث الدعم والتنظيم وتشجيع الإبداع. ويندرج ذلك في إطار الرؤية الاستراتيجية للسلطات العليا للبلاد، الهادفة إلى «تهيئة بيئة حاضنة وداعمة للإبداع، وتثمين مكانة الفنان، وتعزيز دور الثقافة كرافد للتحول الاقتصادي والاجتماعي في الجزائر الجديدة»، وفق ما تؤكده وزارة الثقافة والفنون.
لطالما حظيت الثقافة باهتمام الدولة الجزائرية المستقلة، وهو ما يعدّ مواصلة على نهج ثورة التحرير المظفّرة، التي لم تغفل العنصر الثقافي من استراتيجيتها في المقاومة، بل وجعلت منه سلاحا في مواجهة مساعي ضرب مقومات الهوية الجزائرية.
الثقافـــة والهويـــة الوطنيــــة
تعد المقومات الثقافية للبلاد بالغة الأهمية، وتوليها الدولة العناية على جميع المستويات. وقد أكد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، في أكثر من مناسبة، على دور الثقافة والفنون في صون الهوية الوطنية وحماية ذاكرة الأمة وتاريخها.
ولقد سبق لرئيس الجمهورية التأكيد أن الهدف من إنشاء الثانوية النموذجية للفنون هو سدّ للفراغ الثقافي والفني، لدى الجيل الناشئ، لتقوية أسسنا الثقافية والفنية من أجل مواجهة التحديات، التي تنطلق من مرجعياتنا الثقافية، على غرار الفن السينمائي، والمسرحي والموسيقي. وشدّد رئيس الجمهورية، حينها، على أن «دور السينما مُهم ومحدّد في صناعة فكر الفرد الجزائري والمجتمع ككل، وليس للتسلية فقط».
وخلال إشرافه على افتتاح الجلسات الوطنية للسينما، العام الماضي، خاطب رئيس الجمهورية المشاركين قائلا: «الإبداع حر ولكم الحرية المطلقة في إبداعاتكم الفنية إلا ما يستهدف الجزائر».
أما مفهوم «السيادة الثقافية» فقد تكرر في الخطاب الرسمي لوزارة الثقافة والفنون، تأكيدا على الاستمرار في تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية بهدف «تعزيز دور الثقافة والفنون في حماية السيادة الثقافية والهوية الوطنية».
جوائـــز الرئيـــــس
شهد العام الماضي الطبعة الأولى من جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية، التي استُحدثت بهدف ترقية استعمال اللغة العربية في المعاملات الإدارية والتربوية والبحثية والثقافية والتطبيقات والبرمجيات، وفي الإضافة النوعية في مجالات العلوم والمعارف والتقنيات بمختلف تخصصاتها ومجالاتها وكذا المترجمة إليها، وإلى تحسين المردود العلمي باللغة العربية، ورصد الكفاءات الوطنية في المجالات الإبداعية ذات الصلة باللغة العربية، وتثمين أعمال الباحثين والمبدعين ومنجزاتهم العلمية والمعرفية ذات المردود النوعي، للوصول إلى إنتاج فكري إبداعي باللغة العربية.
وحُددت أربع مجالات للجائزة الأربعة وهي: مجال ازدهار اللغة العربية، مجال توطين المعارف، مجال الترجمة، ومجال الأدب والإبداع.
من جهتها، وصلت جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية نسختها السادسة هذا العام، وهي تهدف أساسا إلى ترقية اللغة الأمازيغية، وتشجيع البحث والإبداع الأدبي والعلمي بها، مع منحها مكانة بارزة في المشهد الوطني عبر تنظيمها سنويا بمناسبة رأس السنة الأمازيغية «يناير». وتشمل الجائزة أربعة محاور هي اللسانيات، والأدب المعبر عنه بالأمازيغية والمترجم إليها، والأبحاث في التراث الثقافي الأمازيغي غير المادي، والأبحاث العلمية والتكنولوجية والرقمنة.
ولا ننسى جائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب «علي معاشي» التي تُمنح للمبدعين بين 18 و35 سنة، المتفوقين في مجالات الرواية، والشعر، والعمل المسرحي المكتوب، والأعمال الموسيقية، والفنون الغنائية وفن الرقص، والفنون السينمائية والسمعية البصرية، والفنون المسرحية (أداء)، والفنون التشكيلية.
مكانـــــة الفنـــــــــان
وينقلنا موضوع الجوائز الفنية إلى الحديث عن الفنان والنصوص المنظمة لمجال نشاطه.. فقد طالب الفنانون طويلا بقانون يحمي حقوقهم، وهو ما تحقق بصدور المرسوم الرئاسي رقم 23- 376، المؤرخ في 22 أكتوبر 2023، والمتضمن القانون الأساسي للفنان، ليكون من أهم الإنجازات الثقافية في الجزائر.
يحدد هذا القانون حقوق وواجبات الفنان، ويشمل: الحصول على بطاقة الفنان، توقيع عقد فني، التمتع بالحماية الاجتماعية والتقاعد، الاستفادة من التأمين التكميلي ضد المخاطر الاستثنائية، الحق في تأسيس أو الانخراط في هيئات تمثيلية مهنية، والاعتراف بحقوقه الفكرية والمادية، إلى جانب المساهمة في إعداد السياسات العامة في الميادين الثقافية والفنية، وكذا الاستفادة من تكوين فني أو تقني من أجل ترقية الفن والثقافة. كما تضمّن مدونة المهن الفنية، وسمح بضمان تكفل اجتماعي ومهني أفضل للفنان.
كما صدر في جويلية 2025 المرسوم التنفيذي المتعلق بكيفيات إنشاء التعاونيات الفنية وتسييرها، «ليشكل أول نص قانوني من نوعه ينظم هذا النمط من المؤسسات الثقافية، ويمكِّن من حركية اقتصادية مستدامة في مجال الإنتاج الثقافي من طرف ولصالح المهتمين ومهنيي عالم الثقافة والفنون»، وفق الوزارة الوصية التي اعتبرت هذا المرسوم «مكسبا تاريخيا للفنانين في مختلف المجالات، إذ يرسخ أسس العمل التضامني والمهني، ويتيح إطارا قانونيا يضمن الشفافية ويواكب التحوّلات الرقمية والاقتصادية، بما يوفر للفنانين فضاء مهنيا مستداما يحمي حقوقهم ويعزز إنتاجهم الثقافي والفني ماديا ومعنويا».
الصناعـــة السينماتوغرافيـــة
خلال الجلسات الوطنية للسينما، طمأن رئيس الجمهورية أهل القطاع بتأكيده أن الدولة ستتكفل بتمويل مشاريعهم، كما أكد لمن يريد الاستثمار في هذا المجال، أن «الدولة تضمن له توفير العقار والتمويل» بهدف «خلق مناخ ثقافي يسمح بمزيد من الرقي والتقدم لبلادنا».
ومن الإجراءات المتخذة في هذا الصدد، اعتماد تدابير جبائية لدعم الفن السابع. فبعد صدور القانون المتعلق بالصناعة السينماتوغرافية عام 2024 (وهو القانون الذي يهدف إلى تحديد الأحكام المطبقة على الصناعة السينماتوغرافية ولاسيما منها تلك المتعلقة بإنتاج وتوزيع واستغلال الأفلام السينمائية والترويج لها عبر مختلف الدعائم، وكذا تنظيم النشاطات المتصلة بها) خصص قانون المالية لسنة 2025 تدابير جبائية لتعزيز الإنتاج السينمائي الوطني وتوفير موارد مالية لدعم المشاريع السينمائية وترقيتها.
كما أعيد تنظيم المركز الوطني للسينما والسمعي البصري وغيرت تسميته إلى «المركز الوطني للسينما»، ليصبح الأداة الهيكلية الرئيسة لتنفيذ السياسة الوطنية في مجال السينما، حيث يتولى المركز تنظيم ومواكبة النشاط السينمائي، وإصدار التراخيص والتأشيرات، ومرافقة المشاريع الاستثمارية، فضلا عن تسيير الدعم العمومي للأعمال السينمائية، ليشكل بذلك الشباك الموحد لكافة الإجراءات المرتبطة بالصناعة السينماتوغرافية.
وأنشئت «هيئة الوساطة وآداب وأخلاقيات النشاط السينمائي»، وهي هيئة وطنية تتكفل بإعداد ميثاق آداب المهنة والسهر على احترامه، إلى جانب القيام بالوساطة بين مهنيي الصناعة السينماتوغرافية وتعزيز المنافسة الشريفة وحماية حقوق الفاعلين.
دعـــم الكتـــاب والقـــراءة
تولي الدولة الكتاب كثيرا من الأهمية، ويتجسد ذلك في دعم النشر وتمويله، وتنظيم المعارض، وأيضا في دعم القطاع بشبكة من المؤسسات من بينها المكتبات بمختلف أنواعها.
وقد رُسّم يوم 7 جوان «يوما وطنيا للكتاب والمكتبة»، وذلك بمقتضى مرسوم رئاسي، واختير هذا اليوم تذكيرا بالفعل المشين للمنظمة العسكرية السرية لجيش الاستعمار الفرنسي سنة 1962، المتمثل في حرق المكتبة الجامعية وما تحويه من مؤلفات ثقافية وعلمية فاق عددها 500 ألف كتاب ومخطوط.
ومن مؤسسات دعم الكتاب نذكر «المركز الوطني للكتاب»، ويعتبر «الأداة التي تطبق السياسة الوطنية للكتاب وتدعمه وتشجع صناعته وتسهم في تطوير ميدان النشر»، أما بخصوص المكتبات، فنشير إلى المكتبة الوطنية الجزائرية التي تعتبر «ذاكرة الأمة»، وكذا شبكة مكتبات المطالعة العمومية، التي أولتها الجزائر اهتماما خاصا لدورها في تثقيف المجتمع.
وقد شهدت صائفة العام الماضي صدور قرار يقضي بإنشاء 15 مكتبة جديدة عبر عدد من ولايات الوطن، وهذا «مواصلة لبرنامج وطني طموح في إطار إنشاء شبكة وطنية تغطي كل بلديات الوطن بمكتبة على الأقل في كل بلدية».
ويبقى صالون الجزائر الدولي للكتاب التظاهرة الثقافية الأهم كمّا ونوعا، وقد شكّل الصالون، وما يزال، «نظرة الدولة الجزائرية نحو الثقافة والفنون، فهو مرجعية مهمة لفهم المكانة التأسيسية للثقافة في منظور الجزائر» وفق ما أكدته وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، في كلمتها الخاصة بالتظاهرة، معتبرة أن «سيلا» فرض نفسه كأهم حدث ثقافي في البلاد، وهو «مؤشر هام لفهم مكانة الكتاب لدى الجزائريين، حيث يتوافد الملايين من المدن الداخلية سعيا وراء العناوين التي تشغلهم أو تلفتهم». وفي اختتام التظاهرة، قالت الوزيرة إن الصالون أعطى «صورة ناصعة لجزائر الثقافة، الجزائر التي تقرأ وتفكر وتتحاور».
حمايـــــــــــة الـتراث الثقـــافي
في آخر أسبوع من جوان المنقضي، أمر رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، خلال ترؤسه اجتماعا لمجلس الوزراء، بإنشاء وكالة وطنية للآثار تكون تحت الوصاية المباشرة لرئاسة الجمهورية.
ويأتي ذلك انطلاقا من «ضرورة إعادة حيوية البحث والاستكشاف للعلماء والباحثين الجزائريين في الآثار، وتحريرهم علميا للخروج نهائيا من مرحلة الاكتفاء بالآثار المكتشفة ومواصلة الحفريات لاكتشاف المزيد من الآثار المتعلقة بمختلف الحقب التاريخية للإنسانية في الجزائر».
وتتمتع الوكالة بالاستقلالية وتكون مؤسسة ذات طابع تجاري وصناعي، كما أمر رئيس الجمهورية أن يكون لها «شرطة تختص بحماية ومراقبة كل ما يتعلق بالآثار، بمختلف أصنافها، لكونها ذات مهام ميدانية استكشافية وبحثية».
قبل ذلك، تجسّد حرص الدولة على حماية التراث الثقافي في دسترة هذا الأخير، حيث تقول المادة 45 من الدستور: «الحق في الثقافة مضمون للمواطن. تحمي الدولة التراث الثقافي الوطني المادي وغير المادي وتعمل على الحفاظ عليه».
وفتحت هذه الدسترة الباب لمراجعة وتحيين الإطار القانوني لحماية التراث، لمواكبة التحديات وتبسيط إجراءات تصنيف التراث وتجسيد البعد الاقتصادي في استغلاله، وتنفيذ الالتزامات الدولية للجزائر في مجال حفظه وحمايته.
ولعل ما يزيد من أهمية حماية التراث الجزائري هو ما يتعرض له من محاولات سرقة مفضوحة وممنهجة، وقد قابلت الدولة هذه الممارسات المشينة بالعمل على إدراج العديد من عناصرها تراثية في قائمة اليونسكو للتراث العالمي غير المادي للإنسانية. وفي هذا الصدد، تعتبر الجزائر من أكثر الدول نشاطا ومصداقية في مساعي حماية التراث الثقافي، حتى إنها انتُخبت بالإجماع لعضوية لجنة التراث الثقافي اللامادي لعهدة 2024 ـ 2028 باليونسكو، اعترافا بدورها في مجال صون التراث وطنيا ودوليا، ودليلا على ثقة المجتمع الدولي بها، وبجدية سياستها الوطنية في المحافظة على موروثها الثقافي غير المادي الغني وتنميته وتطويره. كما مثّلت موافقة اليونسكو على احتضان الجزائر «المركز الإقليمي الإفريقي لصون التراث اللامادي الصنف 2» اعترافا بدور الجزائر المحوري على المستوى القاري في هذا المجال.
المؤسســـات الناشئـــة والثقافــــة
في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، شجعت الجزائر مضاعفة المبادرات والجهود تشجيعا لريادة الأعمال في جميع المجالات، بما فيها الثقافية. ومن الأمثلة على ذلك مشروع حاضنة «مُبادرة Art»، الذي يهدف «إلى دعم ريادة الأعمال الثقافية، وتعزيز الاقتصاد الإبداعي في الجزائر»، في إطار شراكة متعددة تضم: وزارة الثقافة والفنون، وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، المنظمة العالمية للملكية الفكرية، الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، والمدرسة العليا الجزائرية للأعمال. ويعمل البرنامج على اختيار ودعم ما بين 15 إلى 20 شركة ناشئة، صغيرة ومتوسطة، تمارس نشاطها في مجالات الصناعات الإبداعية المختلفة.
كما نذكر «قانون المقاول الذاتي» الذي يلعب دورا كبيرا في تخفيف العبء على الشركات الناشئة، و»الوكالة الوطنية للمقاول الذاتي» المسؤولة عن إنشاء وإدارة السجل الوطني لمنظمي المشاريع الذاتية، حيث يمكن الحصول على «بطاقة المقاول الذاتي»، بشرط أن يكون النشاط ضمن سبعة ميادين أحدها «الخدمات الثقافية والاتصال والسمعي البصري»، ما يساعد على أن يصير الاقتصاد الإبداعي رافدا حقيقيا للتنمية.





