هبـاش لـ»الشعـب»: مـــن قــــوة التضحيـــة إلى قــــوة اقتصاديـة مستدامــة
المؤسّسات المالية الدوليـة: الاقتصـاد الجزائـري الأقـوى مغاربيـا والثالـث إفريقيـا
صفـــر استدانــة خارجيــــة.. استقلاليــة وتحـــرّر وقــوة ومثــال للتجارب الناجحــة
تطـــوّر ملحـوظ في الميــــزان التجــاري وارتفـــاع الصــادرات الطاقويـــة
في عيد استرجاعها لسيادتها السياسية، تحتفل الجزائر المنتصرة، اليوم، بإنجازات أكّدت ما صرّح به رئيس الجمهورية خلال أحد لقاءاته الدورية مع الإعلام الوطني، بأنّ «الجزائر ليست بحاجة إلا لسواعد أبنائها». أحفاد الجيل الذي حقّق النصر على أعتى القوى الاستعمارية، واسترجع السيادة السياسية، يواصلون المشوار ليحقّقوا اليوم السيادة الاقتصادية، حيث ترعاهم إرادة سياسية صادقة ومرافقة شخصية لرئيس الجمهورية، من خلال إستراتيجية أثبتت رؤية متبصّرة للقائد الأول للبلاد، ارتكزت أساسا على تعزيز السيادة على الموارد الطبيعية، التحوّل من اقتصاد استهلاكي ريعي إلى اقتصاد متنوع منتج، ودعم الإنتاج الوطني.
ثمّن الخبير في السياسات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، بعبارات اعتزاز وافتخار، في ذكرى الخامس من جويلية، وهو يستحضر ما تقف الجزائر عليه اليوم في عيد استقلالها الرابع والستين، من مسار تاريخي استثنائي امتد من استرجاع السيادة الوطنية إلى بناء نموذج اقتصادي متماسك، يقوم على تعزيز الاستقلال الاقتصادي وترسيخ مقوّمات التنمية الوطنية الشاملة.
مسار أكّد هباش أنه يجسّد بوضوح، خلال السنوات الخمس الأخيرة، ديناميكية اقتصادية معتبرة، مدفوعة بإرادة سياسية قوية ورؤية تنموية قائمة على تثمين الموارد الوطنية وتوجيهها نحو الاستثمار والإنتاج وتحسين المؤشّرات الكلية للاقتصاد الوطني.
وهو ما تؤكّده الأرقام التي قدّمها المتحدث، مفيدا أنّ الجزائر قد سجّلت خلال هذه الفترة معدل نمو اقتصادي مستقر نسبيا، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي حوالي4.1% سنة 2023، ثمّ 3.7% سنة 2024 وفق تقديرات المؤسّسات الدولية، و3.8% خلال سنة 2025، وناتج محلي خام تجاوز 317 مليار دولار سنة 2026، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس صلابة الاقتصاد الوطني في مواجهة التقلبات الدولية وقدرته على الحفاظ على وتيرة نمو إيجابية، رغم تحولات الأسواق العالمية للطاقة.
قدرة تمويلية محليا واستقلالية اقتصادية دوليا
في سياق استعراضه للمعطيات والمؤشرات التي عرفها المشهد الاقتصادي للجزائر بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وما ميز هذه المرحلة -يقول هباش- من تعزيز للسيادة الوطنية على الموارد الطبيعية، باعتبارها الركيزة الأساسية للاقتصاد الجزائري، تواصل الدولة التحكم في قطاع المحروقات عبر المؤسسات الوطنية، يتقدمها مجمع سوناطراك، الذي يعد أحد أهم الفاعلين في السوق العالمية للطاقة، ليس فقط كمصدّر رئيسي للإيرادات، بل أيضا كرافعة استراتيجية للسيادة الاقتصادية، إذ تساهم المحروقات بنسبة تفوق 80% من إجمالي الصادرات الوطنية، وهو ما يعكس الدور المحوري لهذا القطاع في تمويل الاقتصاد الوطني وتثبيت التوازنات المالية الخارجية. وقد سمحت هذه السيطرة الاستراتيجية، يفسّر هباش، بتوجيه عائدات معتبرة نحو تمويل البرامج التنموية الكبرى، وتعزيز الاستقرار المالي للدولة، وتقوية الاحتياطات من النقد الأجنبي، التي تغطي ما يقارب 16 شهرا من الواردات، وهو ما يمنح الجزائر هامشا مهما من الاستقلالية الاقتصادية على المستوى الدولي.
تنويـــع القاعـــدة الإنتاجيـــة…
فيما يتعلق بنجاح سياسة التجارة الخارجية التي اعتمدتها الجزائر والصرامة التي تابع من خلالها رئيس الجمهورية، شخصيا، ضبط وتطهير عمليتي التصدير والاستيراد من كل مظاهر الفساد والتحايل المالي والتلاعب الضريبي، أكد هباش أنّ الجزائر قد قطعت شوطا كبيرا فيما تعلق بتقليص التبعية للسلع الخارجية، حيث عرفت السوق الجزائرية، خلال السنوات الأخيرة، ديناميكية واضحة في دعم الإنتاج الوطني وتشجيع الاستثمار المحلي، وهو ما مكّن من رفع قيمة الناتج الداخلي الخام من 260 مليار دولار سنة 2024 إلى 317 مليار دولار سنة 2025، مع تنامي مساهمة القطاعات غير النفطية في النمو الاقتصادي، خاصة الفلاحة والخدمات والصناعة التحويلية، وهو ما يعكس -تابع ذات المتحدث- بداية تحول تدريجي نحو تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. كما سجّلت الجزائر تطورا في الميزان التجاري الذي عرف تحسنا ملحوظا، مدعوما بارتفاع الصادرات الطاقوية وتحسن القدرة التصديرية في عدد من القطاعات، مع الحفاظ على توازن نسبي في تدفقات الاستيراد المرتبطة بحاجيات الاقتصاد الوطني.
رابــط لوجيستـي يكســر الفـــوارق الجغرافيــة
أمّا على مستوى البنى التحتية، فقد شهدت الجزائر خلال هذه المرحلة استثمارات ضخمة في مشاريع الطرق السريعة، وشبكات النقل، والموانئ، والسكك الحديدية، والمدن الجديدة، وهي استثمارات، يرى هباش أنها ساهمت في تعزيز الترابط الاقتصادي بين مختلف الولايات، وتقليص الفوارق الجغرافية، وتحسين مناخ الاستثمار، كما دعمت بشكل مباشر النشاط الاقتصادي عبر تسهيل حركة السلع والخدمات وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والتصدير، وهو ما يعكس -استطرد المتحدث- رؤية إستراتيجية تعتبر البنية التحتية ركيزة أساسية في بناء اقتصاد حديث ومتكامل، بات يستقطب اليوم كبرى الاقتصاديات العالمية من أجل شراكات لم تستثني أي قطاع، خاصة ما تعلق بالطاقة، الطاقات المتجدّدة، الفلاحة، التعدين والصناعات التحويلية.
من جهة أخرى فتح هباش قوسا، موضّحا أنّ الترسانة اللوجستية للجزائر تشكل اليوم، ورقة رابحة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية من مختلف الجنسيات وقارات العالم، التي يطمح أصحابها في ولوج السوق الإفريقية عبر بوابة الجزائر المتوسطية.
مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية
لا يمكن الحديث عن إنجازات الجزائر المنتصرة، دون التوقف عند الاستقرار المالي الذي تمكّنت من تحقيقه، وهو ما أشاد به عاليا، البروفسور هباش، مؤكدا أن الجزائر واصلت تحقيق أرقام غير مسبوقة محافظة على مستوى صفري من المديونية الخارجية، وهو ما يعتبره هباش خيارا استراتيجيا مكنها من تعزيز استقلالية قرارها الاقتصادي وحماية اقتصادها من الضغوط الخارجية، حيث يعتمد تمويل التنمية بدرجة كبيرة على الموارد الداخلية، خاصة عائدات المحروقات، مع اعتماد سياسة مالية حذرة ساعدت على الحفاظ على التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني، بما في ذلك استقرار الأسعار وتحسن مؤشرات التضخم التي شهدت تراجعا تدريجيا في بعض السنوات الأخيرة لتستقر في حدود 4% تقريبا سنة 2024، وأقل من ذلك خلال سنة 2025، كما برزت في السنوات الخمس الأخيرة، توجهات واضحة نحو دعم التحول الطاقوي وتعزيز الاقتصاد الأخضر، من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية، واستغلال الإمكانات الطبيعية الكبيرة التي تزخر بها الجزائر في هذا المجال، ما يعكس إرادة سياسية للاندماج في التحولات العالمية نحو اقتصاد منخفض الكربون، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدور الاستراتيجي لقطاع الطاقة التقليدي كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني.
رؤية وطنية متكاملة…
كملخص لما قدمه هباش من تحليل للوثبة الاقتصادية التي عرفتها البلاد، استعرض المتحدث مقتضبا لحصيلة السنوات الخمس الأخيرة، التي تؤكد في مجملها أن الجزائر تمضي بثبات نحو تعزيز استقلالها الاقتصادي، من خلال نموذج قائم على تثمين الموارد الوطنية، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير البنى التحتية، والحفاظ على الاستقرار المالي، والانفتاح التدريجي على الاقتصاد الأخضر، وهو مسار يعكس إرادة دولة تسعى إلى تحويل مكتسبات الاستقلال إلى قوة اقتصادية مستدامة قادرة على ضمان التنمية والازدهار للأجيال القادمة، في إطار رؤية وطنية متكاملة تضع السيادة الاقتصادية في قلب المشروع التنموي الوطني.


