الشهـــداء حـرّروا الوطــــن وشبـاب اليوم يحمونـه بالعلـم والعــمل
العلـم والكتابـة والتوثيــق امتـــدادا لمعركـة التحريــر الوطنـي
أكتبوا.. دوّنوا.. وألّفوا.. واتركوا للجزائر أثرا يبقى بعدكم”، بهذه الكلمات اختصر العلامة الشيخ محمد الصالح الصديق رسالته إلى شباب الجزائر، خلال اللقاء الذي جمع “الشعب” به في منزله، حيث استقبلنا بحفاوة وذاكرة متّقدة.. لم يكن حديثه استذكارا لماض، بقدر ما كان دعوة صادقة إلى جعل العلم والكتابة والتوثيق امتدادا لمعركة التحرير، وإلى الإيمان بأن الأوطان لا تُصان بالسلاح وحده، وإنما تحفظها العقول التي تفكر، والأقلام التي تكتب، والباحثون الذين يبنون ذاكرة الأمة بالحرف الصادق.
خلال اللقاء، أكد الشيخ العلامة، أن معركة الجزائر اليوم هي معركة علم ووعي، قائلا: “لقد حرّر الشهداء هذا الوطن بدمائهم، وجاء دور الأجيال الجديدة لتحافظ عليه بالعلم والعمل والإبداع.. الاستقلال لا يكتمل إلا إذا امتلكنا المعرفة، وكتبنا تاريخنا بأيدينا، ولم نترك غيرنا يروي قصة الجزائر”، وأضاف أن مسؤولية الشباب لا تقل أهمية عن مسؤولية من سبقهم، لأن لكل جيل رسالته في خدمة وطنه.
ولا يمثل الشيخ محمد الصالح الصديق مجرد اسم في سجل الثقافة الجزائرية، بل يجسّد مشروعا فكريا متكاملا، آمن بأن النهضة الحقيقية تبدأ من الكتاب، ولذلك لم يتعامل مع الكتابة بوصفها هواية أو نشاطا ثقافيا عابرا، وإنما باعتبارها رسالة عمر، كرّس لها عقودا طويلة من حياته، حتى أصبح من أكثر المثقفين الجزائريين غزارة في الإنتاج، بعدما تجاوز رصيده العلمي والفكري 205 مؤلفات، تنوّعت بين التاريخ، والأدب، والفكر، والتحقيق، والدراسات، وأسهمت في إثراء المكتبة الجزائرية والعربية بمراجع لا تزال تحتفظ بقيمتها العلمية والفكرية.
إهمال التوثيق تفريط في الذاكرة
ومن خلال اللقاء، بدا واضحا أن الشيخ لم يكن منشغلا بالحديث عن منجزه الشخصي بقدر ما كان منشغلا بمستقبل الشباب، فقد شدّد على أن الأمم التي تهمل التوثيق تفرط في ذاكرتها، وقال: “أوصي كل شاب بأن يجعل الكتاب رفيقه، وأن يكتب ويسجل ويوثق، لأن الكلمة الصادقة تبقى بعد صاحبها، ولأن الإنسان يُعرف بما يتركه من علم نافع، لا بما يملكه من متاع زائل”. وكانت هذه الكلمات تخرج منه بإيمان عميق، يعكس تجربة طويلة عاشها مع الكتاب والبحث والتأليف.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في مسيرة الشيخ أنه لم يكتف بالدعوة إلى القراءة والكتابة، بل جسّد ذلك في حياته اليومية، فقد جعل من كل مؤلف ينجزه لبنة جديدة في صرح الذاكرة الوطنية، ومن كل بحث ينجزه محاولة لحماية التاريخ من النسيان، وإبقاء الثقافة الجزائرية حاضرة في فضائها العربي والإسلامي، لذلك تحوّلت مؤلفاته إلى شهادة حية على أن القلم، عندما يخلص لقضيته، يصبح امتدادا لتضحيات الرجال الذين صنعوا الاستقلال.
الأمم العظيمة تبنيها العقول
وفي سؤال لـ«الشعب” عن الرسالة التي يوّد توجيهها إلى شباب الجزائر في عيد الاستقلال، أجاب دون تردّد: “لا تسمحوا لليأس أن يجد مكانا في نفوسكم.. الجزائر تستحق منكم الاجتهاد والابتكار والإخلاص. اقرأوا كثيرا، وابحثوا كثيرا، وألّفوا كثيرا، لأن الأمم العظيمة لا تبنيها الثروات وحدها، وإنما تبنيها العقول التي تؤمن برسالتها.” كلمات جاءت هادئة في نبرتها، لكنها عميقة في معناها، وتعكس إيمانا راسخا بأن مستقبل الوطن يصنعه العلم قبل أي شيء آخر.




