عاد التوتّر ليخيّم على منطقة الخليج والشرق الأوسط، حيث شنّ الجيش الأمريكي موجة جديدة من الهجمات على إيران، أمس الأربعاء، كما ألغت واشنطن ترخيصا كان يسمح لطهران ببيع النفط. وفي ذات الوقت صعّد الرئيس دونالد ترامب لهجته تجاه الجمهورية الإسلامية معلناً انتهاء مذكرة التفاهم بين البلدين، ومؤكّداً أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.
اتّهمت وزارة الخارجية الإيرانية، أمس الأربعاء، الولايات المتحدة بانتهاك مذكرة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب، معتبرة أن الضربات الأمريكية الجديدة، وخرق الترتيبات الإيرانية في مضيق هرمز، واستمرار الضربات الصهيونية في لبنان، جعلت الاتفاق المؤقت غير فعال.
وقالت الخارجية الإيرانية، في بيان، إن الجيش الأمريكي شنّ في الساعات الأولى من صباح الأربعاء هجمات على مراكز رصد ومراقبة على الساحل الجنوبي لإيران، ووصفتها بأنها انتهاك لبند وقف العمليات العسكرية في مذكرة التفاهم.
وأضافت أن قرار وزارة الخزانة الأمريكية إلغاء ترخيص بيع النفط الإيراني، إلى جانب ما وصفته بانتهاك الترتيبات الإيرانية في مضيق هرمز، أفرغ أجزاء مهمة من الاتفاق من مضمونها.
تقويض المسار
كما ربطت طهران بين تعثر التفاهم واستمرار العمليات الصهيونية في لبنان، معتبرة أن هذه التطورات تقوض مسار خفض التصعيد.
وشدّدت الخارجية على أن القوات المسلحة الإيرانية لن تتردد في الدفاع عن سيادة البلاد وأمنها القومي وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي تطور متزامن، أفادت وكالة “مهر” الإيرانية بسماع سلسلة انفجارات في مدينة بوشهر الساحلية جنوب غربي البلاد، حيث تقع المحطة النووية المدنية الوحيدة في إيران، من دون أن توضح أسباب الانفجارات.
وتكتسب بوشهر أهمية استراتيجية، لقربها من جزيرة خارك، الميناء النفطي الرئيسي لإيران، والذي يمر عبره عادة الجزء الأكبر من صادرات النفط الخام الإيراني.
كما نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول محلي إيراني، أن قاعدتين عسكريتين في محافظة بوشهر تعرضتا للاستهداف صباح الأربعاء، من دون تسجيل إصابات حتى الآن. وتأتي هذه التطورات، فيما يتزايد القلق من انهيار التفاهم المؤقت وعودة المواجهة المفتوحة في المنطقة.
الاتّفاق انتهى
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس إن مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران لإنهاء الصراع “انتهت”، مضيفا أنه لا يرغب في التعامل مع طهران.
وكانت القيادة المركزية الأمريكية “سانتكوم” أعلنت، أمس، أن قواتها استكملت جولة جديدة من الضربات الهجومية ضد إيران، استهدفت خلالها أكثر من 80 هدفًا باستخدام ذخائر دقيقة، وذلك ردًّا مباشرًا ـ على ما قالت ـ الهجمات الإيرانية الأخيرة التي طالت سفنا تجارية كانت تعبر مضيق هرمز.
وقالت القيادة في بيان نشر على منصة “أكس”، إنّ الضربات استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وشبكات القيادة والسيطرة، ومواقع الرادارات الساحلية، وقدرات الصواريخ المضادة للسفن، إضافة إلى أكثر من 60 زورقا صغيرًا تابعا للحرس الثوري الإيراني في المضيق ومحيطه، بهدف تقويض قدرة إيران على مواصلة استهداف حركة التجارة الدولية عبر الممر الملاحي، على حدّ قولها.
كما أضاف البيان أنّ إيران هاجمت مؤخرًا ثلاث سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز. واعتبر أن الهجمات الإيرانية تشكل انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار، وتقوض حرية الملاحة.
إلى ذلك، أكّدت القيادة أنّ قواتها ستبقى في حالة جاهزية لمحاسبة إيران إذا لم تلتزم بالاتفاق أو تمتثل لبنوده.
إيران تردّ وتتوعّد
بالمقابل، توعّدت طهران، أمس الأربعاء، بردّ حاسم على الضربات الأمريكية ضدّ أهداف قرب مضيق هرمز، مشيرة إلى أن واشنطن انتهكت مرارا مذكرة التفاهم بين البلدين. وأعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف 85 موقعاً عسكرياً أمريكياً في المنطقة.
وأورد الجيش الكويتي التصدي لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة، فيما أعلنت وزارة الداخلية البحرينية إطلاق صفارات الإنذار ثلاث مرات خلال أكثر من ساعتين.
وشدّدت العديد من الدول على ضرورة تجنيب المنطقة هذا التصعيد الخطير، ودعت للاستمرار في مسار الحوار والدبلوماسية، والبناء على المكتسبات التي تحققت في إطار مذكرة التفاهم الموقّعة في 18 يونيو الماضي
المفاوضات مستمرّة
في الأثناء، وفي وقت تتواصل فيه المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، أكّدت واشنطن أنها لا تزال متمسّكة بالمسار الدبلوماسي، مشددة على أن المفاوضات مع طهران ستستمر رغم التصعيد الأخير في مضيق هرمز والضربات العسكرية.
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤول أمريكي قوله إن الولايات المتحدة ستواصل المفاوضات مع إيران، في إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية لا تعتبر التصعيد العسكري بديلاً عن المسار السياسي، بل وسيلة للضغط من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي.
ورغم تشديد الضغوط الاقتصادية والعسكرية، فقد شدّد مسؤول أمريكي على أن المفاوضين الأمريكيين “يواصلون العمل بحسن نية للتوصل إلى اتفاق نهائي”، في رسالة تعكس تمسك واشنطن بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حتى في ظل أسوأ موجة تصعيد منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير الماضي.
وتشير هذه المعادلة إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول الجمع بين سياسة الضغط العسكري والاقتصادي وبين الإبقاء على فرصة التسوية السياسية، إذ ترى أن استخدام القوة لا يتعارض مع استمرار المفاوضات، بل قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملفات العالقة.
وتبقى قضية مضيق هرمز أبرز العقبات أمام أي اتفاق دائم، بعدما تحولت إلى محور الخلاف بين الطرفين. فبينما تصر إيران على فرض ترتيبات جديدة لإدارة حركة السفن والرسوم المرتبطة بالعبور، تؤكد الولايات المتحدة أن حرية الملاحة في المضيق غير قابلة للتفاوض، وتعد أي استهداف للسفن التجارية انتهاكاً مباشراً للتفاهمات السابقة.



