اعتبر البروفسور عبد القادر بريش، الخبير الاقتصادي، أنّ تقرير بعثة صندوق النقد الدولي في إطار مشاورات المادة الرابعة لسنة 2026، يشكّل محطة جوهرية في تقييم مسار الاقتصاد الجزائري؛ ليس فقط لأنه يقدّم تشخيصا شاملا لأوضاع الاقتصاد الكلي، وإنما لأنه يعكس أيضا تطورا ملحوظا في نظرة المؤسّسة المالية الدولية إلى الإصلاحات الاقتصادية الهامة التي باشرتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، وكما أكّد أنه حمل الكثير من الإشادة والمؤشّرات الإيجابية.
أوضح الخبير الاقتصادي عبد القادر بريش، أنه إذا كانت تقارير الصندوق خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2023 قد ركّزت بصورة أساسية على صلابة الاقتصاد الجزائري وقدرته على الصمود أمام الصدمات الخارجية، منذ أزمة جائحة كوفيد-19 وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي، وما تلاها من أزمات ناتجة عن التوترات الجيوسياسية، فإنها كانت تحذّر في الوقت ذاته من هشاشة المالية العامة، والاعتماد الكبير على عائدات المحروقات.
غير أنّ تقرير سنة 2026، وفق قراءة البروفسور بريش، جاء أكثر توازنا، حيث جمع بين الإشادة بما تحقّق من إصلاحات هيكلية ومؤسّساتية، وبين الدعوة إلى الانتقال نحو إصلاحات من الجيل الثاني، يكون محورها الرئيسي استدامة المالية العامة وتعزيز التوازنات الاقتصادية الكلية.
ومن هذا المنطلق، أكّد الخبير أنّ القراءة الموضوعية لهذا التقرير تستوجب الابتعاد عن القراءات الانتقائية التي تركّز فقط على توصية الصندوق بضرورة «المزيد من الضبط المالي»، لأنّ التقرير في حقيقته يحمل رسالتين متكاملتين؛ الأولى تثمّن ما تحقّق من إصلاحات، والثانية تدعو إلى استكمال هذا المسار لضمان استدامة النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار المالي.
الإشادة بالإصلاحات والمكاسب
أبرز البروفسور بريش، أنّ بعثة صندوق النقد الدولي أشادت باستمرار الاقتصاد الجزائري في تحقيق معدّلات نمو إيجابية، حيث بلغ النمو الاقتصادي حوالي 3.9% خلال سنة 2025، مع توقّعات باستمراره عند حدود 3.8% خلال سنة 2026، وهو ما يعكس، في رأي الخبير، قدرة الاقتصاد الوطني على المحافظة على ديناميكيّته رغم استمرار حالة عدم اليقين، التي يعرفها الاقتصاد العالمي وتقلّبات أسواق الطاقة.
كما سجّل التقرير بإيجابية، الإصلاحات التي باشرتها الجزائر في مجال تحسين مناخ الأعمال، وخاصة الإصلاحات المرتبطة بقانون الاستثمار الجديد، وتحديث المنظومة القانونية والتنظيمية للاستثمار، وإنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وهي إصلاحات اعتبرها الصندوق، كما يؤكّد البروفسور بريش، خطوات مهمة لتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني ورفع مساهمة الاستثمار الخاص في النمو الاقتصادي.
ومن بين أهم النقاط الإيجابية التي ينبغي الوقوف عندها، أشار الخبير إلى إشادة خبراء صندوق النقد الدولي بخروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (GAFI/FATF)، وهو تطور يعكس، في تحليله، نجاح السلطات العمومية في تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويرفع من مستوى الثقة في المنظومة المالية الجزائرية، ويحسّن صورة البلاد لدى المستثمرين والمؤسّسات المالية الدولية، بما يسهّل تدفّق الاستثمارات والتمويلات ويعزّز اندماج الجزائر في الاقتصاد العالمي.
تحدي استدامة المالية العامة
أفاد البروفسور عبد القادر بريش أنّ التقرير أكّد في المقابل، أنّ التحدي الأساسي الذي يواجه الاقتصاد الجزائري لم يعد يتعلّق بتحقيق النمو الاقتصادي، وإنما يتعلّق أساسا بضمان استدامة المالية العامة. وقال الخبير أنّ التقرير أشار إلى أنّ احتياطات الصرف، المقدّرة بحوالي 70 مليار دولار أمريكي، ما تزال توفّر هامش أمان مريحا، إذ تغطّي ما يقارب 16 شهرا من الواردات، وهو مستوى يمنح الاقتصاد الوطني قدرة معتبرة على مواجهة الصدمات الخارجية. غير أنّ بعثة الصندوق ترى، كما استنتج البروفسور بريش، على ضرورة تعزيز الانضباط المالي والخوف من تآكل احتياطي الصرف بسبب أي صدامات مفاجئة.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير أنّ مفهوم الضبط المالي الذي يدعو إليه صندوق النقد الدولي لا ينبغي فهمه باعتباره مرادفا للتقشّف أو تقليص النفقات الاجتماعية، وإنما باعتباره سياسة تستهدف تحقيق التوازن بين الموارد والنفقات، وضمان استدامة المالية العامة، من خلال تحسين كفاءة الإنفاق العمومي، وتعبئة موارد مالية جديدة، والحدّ من مصادر الهدر، وتحسين مردودية الاستثمار العمومي.
إصلاحات الجيل الثاني
لفت البروفسور بريش، إلى أنّ بعثة الصندوق أوصت بمجموعة من الإصلاحات المتكاملة، يأتي في مقدّمتها تنويع الاقتصاد الوطني، وتسريع وتيرة الإصلاحات الرامية إلى تطوير القطاعات المنتجة خارج المحروقات، وتشجيع الاستثمار الخاص، وزيادة الصادرات خارج قطاع النفط والغاز، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة بعيدا عن تقلّبات أسواق الطاقة.
كما شدّد التقرير، وفقا لتحليل الخبير، على أهمية مواصلة الإصلاحات المالية من خلال توسيع الوعاء الجبائي، وتعزيز الإيرادات الجبائية العادية، وتحسين الإدارة الضريبية ورقمنة المنظومة الجبائية، وتقليص الاقتصاد غير الرّسمي، إلى جانب ترشيد التحويلات الاجتماعية وتوجيهها بصورة أكثر كفاءة نحو الفئات المستحقة، مع تحسين حوكمة المؤسّسات العمومية ورفع كفاءة الاستثمار العمومي.
وتعكس هذه التوصيات، في رأي البروفسور بريش، بوضوح أنّ الجزائر أصبحت اليوم مطالبة بالانتقال إلى إصلاحات الجيل الثاني، وهي الإصلاحات التي تركّز على جودة السياسات العمومية، واستدامة المالية العامة، وتحسين الحوكمة الاقتصادية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، أكّد الخبير أنّ تقرير صندوق النقد الدولي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرّد تقييم صادر عن مؤسّسة مالية دولية، بل ينبغي التعامل معه كوثيقة تحليلية تتضمّن مؤشّرات يمكن الاستفادة منها في رسم أولويات المرحلة المقبلة، بما ينسجم مع الخيارات الاقتصادية والسيادية للدولة الجزائرية، ويعزّز قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.
آفاق الحكومة وقانون المالية 2027
يرى البروفسور عبد القادر بريش أنّ هذه التوصيات تكتسي أهمية استراتيجية خاصة في المرحلة الحالية، حيث تستعد الحكومة بعد الانتخابات التشريعية، لعرض مخطّط عملها على البرلمان. ومن ثم، فإنّ هذا المخطّط مدعو، في تحليل الخبير، إلى استيعاب الملاحظات التي وردت في تقرير صندوق النقد الدولي، وأن يتضمّن رؤية واضحة للإصلاحات الاقتصادية والمالية خلال السنوات القادمة، خاصة فيما يتعلّق بتعزيز التنويع الاقتصادي، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير الصادرات خارج المحروقات، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين حوكمة المالية العمومية.
كما أنّ التحضير لمشروع قانون المالية لسنة 2027 يمثل، وفق رؤية البروفسور بريش، فرصة استراتيجية لترجمة هذه التوجّهات إلى سياسات عملية، من خلال بناء موازنة تقوم على تنويع مصادر الإيرادات، وتعزيز الإيرادات الجبائية العادية، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتحسين فعالية التحصيل الجبائي، وتقليص الاعتماد على الموارد النفطية، مع تكريس الانضباط الميزانياتي، وتحسين حوكمة إعداد وتنفيذ الميزانية، ورفع كفاءة الإنفاق العمومي، بما يضمن استدامة المالية العامة على المديين المتوسّط والطويل.
وقال الخبير أنّ المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من إدارة الوفرة المالية إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، ومن إدارة الإيرادات النفطية إلى بناء قاعدة اقتصادية متنوعة، قادرة على تمويل التنمية من مصادر دائمة ومستقرّة، كما تقتضي، في تحليله، الانتقال من منطق التوسّع في الإنفاق إلى منطق تعظيم مردودية الإنفاق العمومي، وربطه بالأداء والنتائج، بما يعزّز كفاءة السياسات العمومية ويحافظ في الوقت ذاته على الطابع الاجتماعي للدولة.
وخلص البروفسور عبد القادر بريش، الخبير الاقتصادي، إلى التأكيد أنّ الرسالة الجوهرية التي يحملها تقرير صندوق النقد الدولي، تؤكّد على أنّ المحافظة على المكاسب المحقّقة تتطلب مواصلة الإصلاحات، وتعزيز الضبط المالي، وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي ومقتضيات الاستدامة المالية. ويختتم الخبير تحليله بالقول إنّ نجاح الجزائر في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بمعدلات النمو، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد متنوّع، ومالية عمومية مستدامة، وحوكمة اقتصادية أكثر كفاءة، بما يرسّخ نموذجاً تنموياً صلباً وقادراً على مواجهة التحوّلات الإقليمية والدولية وتحقيق التنمية المستدامة.



