أكّدت الدكتورة ليندة بن سايح أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرا بقوة في مختلف مراحل صناعة الفيلم السينمائي، بدءا من مرحلة ما قبل الإنتاج، مرورا بالإنتاج وما بعده وصولا إلى التسويق، وهو ما يفتح نقاشا حول حدود دوره في العملية الإبداعية، في ظل ما يتيحه من إمكانات لتسريع الإنجاز وتحسين الأداء، مقابل تساؤلات تتعلق بقدرته على ملامسة جوهر الإبداع السينمائي.
أشارت بن سايح في تصريح لـ “الشعب”، إلى أن الذكاء الاصطناعي يتدخل في مرحلة ما قبل الإنتاج عبر تحليل البنى السردية الرائجة واقتراح معالجات أولية، وفي مرحلة الإنتاج من خلال توليد الخلفيات الافتراضية والتصور المسبق للمشاهد، وفي مرحلة ما بعد الإنتاج عبر تسريع عمليات المونتاج وتركيب المؤثرات والتلوين، وصولا إلى مرحلة التسويق عبر تحليل سلوك الجمهور واستهدافه بدقة.
وأكّدت المتحدّثة أن الذكاء الاصطناعي، من منظور نقدي، يظل في جوهره نظاما قائما على إعادة تركيب المعطيات المخزنة في قواعد البيانات الضخمة، إذ يمتلك القدرة على إنتاج نص متماسك شكليا، واقتراح حوارات ونهايات، لكنه يعجز عن إنتاج الفكرة بمعناها الإنساني، لأن الإبداع السينمائي يتأسس على التخييل والحدس والذاكرة الوجودية، وهي ملكات لا تتوفر للخوارزمية.
ولفتت بن سايح إلى أن الذكاء الاصطناعي يعد شريكا في الشكل ومساعدا في التنفيذ، لكنه ليس شريكا في الجوهر، موضحة أن دور السيناريست والمخرج تحول من منتج أولي إلى محرر وموجه للنموذج، ومحذّرة من أن يؤدي الاعتماد المفرط عليه إلى إنتاج سينما معيارية تعيد تدوير النماذج الناجحة، بما يغيب المغامرة الفنية، وأضافت أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تفرض على صناعة السينما تحولات بنيوية على ثلاثة مستويات، يتمثل أولها في الجانب الاقتصادي والإنتاجي، حيث ستؤدي إلى خفض كبير في كلفة الإنتاج وزمنه عبر توليد المؤثرات وتعديل الديكورات واستنساخ الممثلين رقميا، مما يفتح المجال أمام سينما مستقلة، لكنه قد يتسبب في المقابل في تضخم إنتاجي يصعب معه تمييز الأعمال ذات القيمة الفنية.
أما على مستوى سلطة المؤلف، فأوضحت بن سايح أن الأمر سينتقل من منطق الكتابة إلى منطق التفاوض مع النموذج، حيث يقترح الذكاء الاصطناعي بدائل سردية محسوبة على بيانات النجاح السابقة، وهو ما يهدد بظهور “سينما البيانات” التي ترضي الخوارزمية قبل الذائقة، وتقتل عنصر المخاطرة الذي يعد أساس الفنية العالية.
وفيما يتعلق بالجسد والأداء، أشارت محدثتنا إلى أن العقد المقبل سيشهد انتشار الممثلين الرقميين وإعادة إحياء الراحلين وتعديل الأداء لاحقا، وهو ما يطرح إشكاليات قانونية وأخلاقية حول حقوق الصورة، رغم بقاء الحضور الإنساني عصيا على المحاكاة الكاملة.
وأكّدت بن سايح أن التطور سيكون في اتجاه تسريع الإنتاج وتقليل الكلفة، بينما سيظل جوهر العملية الإبداعية مرتبطا بالإرادة والموهبة الإنسانية.
وفي حديثها عن الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، أوضحت ليندة بن سايح أن القضية تظل مفتوحة على احتمالات متعددة إيجابية وسلبية، مشيرة إلى أنه يمنح فرصا جديدة أمام جيل جديد من صناع الأفلام، ويتيح للمبدعين إنتاج أفلام بروح جديدة، بما قد يفسح المجال أمام أصوات كانت مهمشة، كما لفتت إلى أن الذكاء الاصطناعي يمنح تصورا لأفكار جديدة، وتجسيدا لعوالم مستحيلة وتحقيقا لدرجات عالية من الإدهاش، وهو ما قد يشكل دافعا للمخرج للعمل على تحقيقها في الواقع، غير أنه قد يقلل في المقابل من طاقم العمل ويأخذ مكان الكفاءة البشرية في الإنتاج.
واختتمت بن سايح تصريحها بالتأكيد على أن الشرط الأساسي لتحقيق هذه الفرص هو ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة يُتكل عليها في كل شيء، لأنه يحد من تطور الرؤية البشرية، معتبرة أن الرهان الحقيقي هو استخدامه لتوسيع إمكانيات المبدع لا كبديل عن التفكير والإبداع والعمل الجاد، لتبقى السينما، في النهاية، مجالا يحافظ فيه الإنسان على خصوصيته الإبداعية.







