استمتع جمهور المسرح الوطني الجزائري “محي الدين بشطارزي” بعروض مسرحية متميزة ضمن فعاليات المهرجان الإفريقي للمسرح الجامعي، في أمسيات جمعت بين متعة المشاهدة وعمق الرسائل الفنية، وأكدت أن المسرح الجامعي قادر على أن يكون جسرا للحوار ومرآة لتجارب الشباب الإفريقي.. حيث تابع الحضور بشغف أداء طلبة من مختلف الدول الإفريقية، وتفاعل مع نصوص جمعت بين الأصالة والمعاصرة..
احتضن مسرح “بشطارزي”، عديد العروض المسرحية، ضمن هذه التظاهرة التي تجمع طلبة ومبدعي القارة تحت شعار “إفريقيا تلتقي على خشبة المسرح الجامعي”.
فقد شهد ركح “بشطارزي” العرض المسرحي الليبي “أغنية التم” من تقديم جامعة طرابلس ـ إدارة النشاط العام، حيث شارك في الأداء كل من رمضان الزريبي ومصطفى جهان، فيما تولى الزريبي مهمة الإخراج، وجمع العمل بين الأداء المسرحي والمؤثرات السمعية والبصرية، مقدما رؤية فنية مكثفة تعالج جوهر الإنسان، وسط تفاعل لافت من جمهور المهرجان.
ويذكر أنه قبيل انطلاق العرض، وقف الحضور دقيقة صمت ترحما على أرواح الأطفال ضحايا حادثة دار الطفولة المسعفة بالمحمدية، في لفتة إنسانية مؤثرة عبرت عن مشاعر التضامن والمواساة، وخيمت على القاعة أجواء حزن وتأثر قبل استئناف العرض.
جمهور “بشطارزي” استمتع أيضا في إطار هذه التظاهرة بعرض مسرحي ممتع، قدمه طلبة المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري ISMAS ، والموسوم بـ«أمواج” للكاتب العالمي يوجين أونيل، تحت إشراف وإخراج الأستاذ المكون عيسى جكاطي.
وشكّل العرض محطة فنية مميزة عكس فيها الطلبة مستوى التكوين الأكاديمي الذي يتلقونه، من خلال تجسيدهم لنص من أبرز أعمال أحد رواد المسرح العالمي، في تجربة جمعت بين الحسّ الإبداعي والانضباط الفني.
كما تمّ بالمناسبة عرض مسرحية بعنوان “نيو، ثلاث لوحات من نهاية العالم” من جمهورية موزمبيق، وذلك في إطار المنافسة الرسمية لمهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي.
وتدور أحداث هذا العمل المسرحي، الذي أخرجه داديفو جوزاي والمقتبس عن نص للكاتب المسرحي الفرنسي جان بيار سارازاك، عبر ثلاث لوحات ركحية تعج بدراما الحياة وشظايا إيقاعاتها العبثية، حيث يلتقي شخصيتي العرض وهما من كبار الطهاة بحماس للسفر من باريس إلى موسكو لافتتاح مطعم كبير هناك، لكن السيارة التي تقلهما تتعطل وسط مباني مدمرة بسبب الحرب فينتابهما الخوف، كما يجدان نفسيهما مجبران على التعامل مع غرباء نجو بأعجوبة من هجمات.
وتمّ بناء الرؤية الاخراجية لهذا العمل المسرحي، الذي دام 50 دقيقة وتمّ عرضه باللغة البرتغالية مع ترجمة فورية على شاشة ضخمة وراء الخشبة، في قالب رمزي ضمن أجواء تحيل إلى تساؤلات متعددة، وهذا قبل الوصول إلى مرحلة اليقين بوهم القيم العالمية المادية وسطحيتها.
وقد تمّ الاعتماد على فضاء مفتوح وسينوغرافيا بسيطة تعكس حالة التشظي والتيه التي يعيشها شخوص هذا العمل المسرحي، حيث وظّف المخرج تقنيات جمع المشاهد وتفكيكها وتجاوز البناء التقليدي للعلبة المسرحية والتوليف بين الأداء الوظيفي وحيوية النص على الركح.
وتقدّم اللوحات التي أبدع في أدائها الثنائي، وهما الطالبين بجامعة إدواردو موندلان بالموزمبيق هيرمليندا زيمبا ودلفيم قاتوما، محطات من الصراع الداخلي للإنسان وما يحيط به وحالة التيه والتشرذم الداخلي في زمن الحرب، حيث تمّ خلالها استحضار أعماق النفس البشرية وصراعاتها وهواجسها مع العالم، والتي عكستها إضاءة خافتة وسينوغرافيا بسيطة لها دلالات ترتبط بالتساؤلات التي يعيشها الإنسان المعاصر، ما أضفى عناصر جمالية تتلاءم مع أحداث العرض.
وفي هذا الإطار، قال المخرج داديفو جوزاي لـ«وأج” أن “هذا العمل المسرحي يندرج في إطار المسرح الحديث الذي يعتمد على روح النص وأداء الممثل، حيث يعجّ النص برؤية وجودية تعالج الصراع الإنساني والتناقضات والآلام التي أفرزتها العولمة والحروب”.
وأعرب ذات المتحدث عن “سعادته بالمشاركة في مسابقة المهرجان الرسمية وتقديم عرض له ولأول مرة أمام الجمهور الجزائري”، مضيفا أن المهرجان “فرصة جيدة للتعارف بين المسرحيين الشباب في إفريقيا واكتشاف مختلف التجارب والرؤى والأشكال المسرحية، بما فيها التقليدية والحداثية للحفاظ على الهوية الإفريقية”.
ويؤكد المهرجان، عبر هذه العروض المتنوّعة، ترسيخ فضاء للتبادل الثقافي والإبداعي بين طلبة المعاهد والجامعات من مختلف الدول الإفريقية، كما تسعى فعالياته إلى تأكيد مكانة المسرح كجسر للحوار والتلاقي، ومنصة لعرض تجارب مسرحية جامعية تعكس تنوع الرؤى الفنية بالقارة.






