اختار الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ضمن العدد الخامس من ركنه القار «أغنية وحكاية»، التوقف عند أغنية «الجزائر جوهرة» للفنانة الراحلة حسنة البشارية، إحدى أبرز الأصوات النسائية التي ارتبط اسمها بفن الديوان وموسيقى الجنوب الجزائري، مستحضرا من خلالها جانبا من الذاكرة الفنية والثقافية لمنطقة الساورة.
يأخذ الركن القارئ هذه المرة إلى بشار، حيث تتجاور رمال الصحراء الحمراء مع الواحات والقصور الطينية العتيقة، في فضاء ثقافي وفني تشكلت فيه ذاكرة موسيقية مميزة، ارتبطت بالديوان وآلاته وإيقاعاته، من القمبري إلى البندير والقراقب. وفي هذا المحيط، برز صوت حسنة البشارية حاملا أغنية «الجزائر جوهرة» من خصوصية المكان إلى آفاق أوسع.
وتحتفي الأغنية، ببساطة كلماتها وعذوبة إيقاعها، بالجزائر وبجمالها وبعمق انتماء أبنائها إليها، كما تستحضر أجواء الحياة الصحراوية بما تحمله من دفء وبساطة وحنين. وتلامس كلماتها أيضا مشاعر الغربة والفراق، من خلال صورة البيوت التي فرقتها ديار المهجر، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن الغائبين ويتطلعن إلى عودتهم، في استحضار لتفاصيل الحياة الأسرية التي كانت تجمع أفراد العائلة تحت سقف واحد.
وحسنى حسنيات، المعروفة فنيا باسم حسنة البشارية، من مواليد بشار سنة 1950، وقد وجدت في فن الديوان مجالا للتعبير ومنبرا لإبراز موهبتها، في وقت كان فيه العزف على القمبري وأداء هذا اللون الموسيقي حكرا على الرجال لسنوات طويلة. وتمكّنت الفنانة الراحلة من إتقان العزف على القمبري، إلى جانب الغناء والتأليف والتلحين، لتصبح بذلك من أبرز الأصوات النسائية المرتبطة بهذا الفن.
وشكلت سنة 1999 محطة جديدة في مسيرتها الفنية، مع اتساع حضورها خارج محيطها المحلي، قبل أن تسجل أغنية «الجزائر جوهرة» في فبراير 2001، لتصبح لاحقا عنوانا لألبومها الصادر سنة 2002، والذي ضمّ تسع أغنيات. كما تمّ تسجيل الأغنية لدى الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة بتاريخ 3 ديسمبر 2006، لتضاف إلى رصيد الأعمال المحفوظة ضمن منظومة حماية حقوق المؤلف.وحظيت حسنة البشارية خلال مسيرتها الفنية بعديد التكريمات، من أبرزها وسام الاستحقاق الوطني برتبة «عشير» سنة 2017، تقديرا لعطائها ومكانتها في المشهد الثقافي والفني الجزائري.
وفي الأول من مايو 2024، رحلت حسنة البشارية، غير أن صوتها لم يغادر الذاكرة الفنية الجزائرية، وظلت «الجزائر جوهرة» واحدة من الأعمال التي تستعيد شيئا من حكايتها ومن روح المكان الذي جاءت منه. فهي أغنية تختزل مسار امرأة اقتحمت مجالا ظل زمنا طويلا حكرا على الرجال، وتمكّنت بصوتها وعزفها وإبداعها من ترك بصمة خاصة في فن الديوان، ومن حمل جزء من ذاكرة الساورة إلى جمهور أوسع.







