أكد الدكتور إبراهيم مرامرية رفضه بوضع سينما الموبايل في مواجهة مع السينما الكلاسيكية، مؤكدا أن مستقبل الفن السابع لن تحدّده الأدوات وحدها، بل قدرة الإنسان على الجمع بين التكنولوجيا والمعرفة، وبين الابتكار والانضباط الفني، وبين سهولة الوصول إلى الصورة والقدرة على منحها معنى وأثرا.
يرى المخرج السينمائي إبراهيم مرامرية أن الحديث عن سينما الموبايل لا ينبغي أن ينطلق من كونها مجرد وسيلة تقنية جديدة لإنتاج الصورة، وإنما باعتبارها تحوّلا ثقافيا وفلسفيا في مفهوم السينما ذاته؛ فالسينما، منذ نشأتها مع الأخوين لوميير، لم تكن مرتبطة بآلة معينة بقدر ما كانت مرتبطة بقدرة الإنسان على تحويل الواقع إلى خطاب بصري يحمل رؤية ورسالة وأبعادا جمالية وفكرية. ولذلك يقول “فإن الانتقال من الكاميرا السينمائية التقليدية إلى الهاتف الذكي لا يمثل قطيعة مع السينما، وإنما يشكّل مرحلة جديدة في تاريخ تطورها الطبيعي”.
وقال مرامرية في تصريح لـ«الشعب”، في وقت اعتدنا لعقود طويلة على أن صناعة الفيلم كانت حكرا على المؤسسات الكبرى وشركات الإنتاج والاستوديوهات المجهزة بأحدث الكاميرات والرافعات ووحدات الإضاءة، أما اليوم فقد أحدث الهاتف الذكي ما يمكن وصفه بـ«دمقرطة الفعل السينمائي”، حيث أصبح من الممكن لأي صاحب فكرة ورؤية فنية أن يحولها إلى فيلم دون أن تقف الإمكانات المادية عائقا أمامه.
في ذات الصدد، يرى مرامرية أن اعتبار الهاتف هو الذي صنع السينما الجديدة، مقولة مرفوضة، لأن الحقيقة – في رأيه – أن الهاتف أعاد توزيع فرص الوصول إليها، فالفرق كبير بين أن يمتلك الجميع أداة التصوير، وبين أن يمتلك الجميع القدرة على صناعة فيلم حقيقي، “فالكاميرا مهما بلغت دقتها لا تستحدث فكرة ولا تكتب سيناريو ولا تبني شخصية ولا تصنع إيقاعا دراميا، ولا تمنح اللقطة معناها الرمزي، هذه كلها وظائف العقل الإبداعي للمخرج قبل أن تكون وظائف الجهاز”.
ليؤكد في هذا الشأن أن القيمة الحقيقية التي أضافتها سينما الموبايل تكمن في أنها أعادت الاعتبار للفكرة أكثر من الأداة، فهي بذلك، يقول المتحدث: “كسرت الاعتقاد السائد بأن جودة الفيلم تقاس بثمن الكاميرا، وأثبتت أن المتلقي قد يتأثر بفيلم صُوّر بهاتف ذكي إذا امتلك رؤية إنسانية ولغة بصرية صادقة، أكثر مما يتأثر بفيلم صُرف عليه ملايين الدولارات لكنه يفتقد العمق الفني”.
كما أن سينما الموبايل – يضيف مرامرية – “فرضت على اللغة السينمائية نفسها تحولات مهمة، فالكاميرا أصبحت أكثر قربا من الإنسان، وأكثر قدرة على التوغل داخل الأماكن الضيقة، وأكثر تحرّرا من القيود التقنية التي كانت تحدّ من حركة المخرج، وأصبح بالإمكان تصوير مشاهد كانت في السابق تحتاج إلى تجهيزات معقدة، وهو ما منح الصورة قدرا أكبر من العفوية والواقعية، خاصة في الأفلام الوثائقية والسينما الاجتماعية وأفلام الشارع”.
وفي سياق متصل، اعتبر المتحدث سينما الموبايل امتداد طبيعي لمسار السينما الكلاسيكية التاريخي ولا يمكن ان تكون خصما لها، فالسينما ـ حسبه ـ ليست الكاميرا، وإنما هي اللغة التي تُبنى بها الصورة قد تختلف الأداة، لكن جوهر العملية الإبداعية يظل واحدا: فكرة، وسيناريو، ورؤية إخراجية، وبناء درامي، ورسالة يراد إيصالها إلى المتلقي.
غير أن هذا لا يعني يقول المتحدث “أن سينما الموبايل لن تفرض تحديات حقيقية على الصناعة التقليدية، فهي بالفعل تعيد ترتيب موازين القوة داخل المجال السينمائي، لأنها نقلت جزءا كبيرا من سلطة الإنتاج من المؤسسات إلى الأفراد.
ليختتم حديثه، بالتأكيد على أن المستقبل لن يكون للسينما التي تمتلك أغلى المعدات، ولا للسينما التي تعتمد فقط على الهواتف الذكية، وإنما سيكون للسينما القادرة على التكيّف مع التحولات الجديدة دون أن تفقد هويتها الفنية، فالجمهور المعاصر لم يعد يبحث فقط عن صورة فائقة الدقة، بل يبحث عن قصة تمسه، وشخصيات يقنع بها، ورسالة تثير تفكيره أو تحرك وجدانه.







