شادلــي لـ”الشعــــب”: الاستخــــدام الذكــي للطاقــة ضــرورة قصوى
تسعى السلطات العمومية الجزائرية لنشر ثقافة ترشيد استهلاك الكهرباء، والاستخدام الأمثل للطاقة، في ظلّ موجة حرّ قياسية تشدها البلاد ولم تعرف لها مثيلاً منذ عقود تجاوزت 49 درجة تحت الظلّ في بعض الولايات، وأدّت لتضاعف استعمال مكيفات وأجهزة التبريد على مدار الساعة ليلاً ونهاراً، مما سبب تذبذبًا في التموين ببعض مناطق الوطن الأكثر شدّة حراريًا.
يعتبر المواطن الحلقة الأهمّ في سلسلة استهلاك التيار الكهربائي أثناء الأزمات والكوارث الجوية، لما له من دور أساسي في رفع الحرج عن منظومة الطاقة المحلية، والمساهمة في استدامة التموين في حال عدم الاهدار والترشيد وتقليل استخدام الأجهزة والمعدّات خصوصًا في فترات ذروة الحرارة أثناء الظهيرة.
ويرى خبراء أن توسيع ثقافة ترشيد الطاقة يُساعد بشكلٍ مباشرٍ في الحفاظ على الشبكة الكهربائية المحلية وضمان استقرارها وديمومتها، حيث يقع على المواطنين اتباع سلوكيات يومية بسيطة مثل إطفاء الأنوار غير المستخدمة داخل المنازل، واستعمال مكيفًا واحدًا في البيت الذي يحتوي على أكثر من مبردين في فترة منتصف النهار وبعد الزوال أثناء وقوع اضطرابات جوية حرارية طارئة في الصيف.
واقترح هؤلاء إطلاق حملات توعوية وتحسيسية مستديمة تتكثّف أكثر في فصل الصيف حول ترشيد الاستهلاك وعدم إهدار وتبذير الكهرباء، مع إدراج ومضات تلفزيونية يشارك فيها تطوعًا عددًا من الفنانين ونجوم الفريق الوطني لكرة القدم، لنشر ثقافة عقلنة استخدام الطاقة بين مختلف فئات المجتمع، وتشجيع المواطنين على اتباع ممارسات مقللة للاستهلاك، خاصة في فترات الذروة وفي حالة وقوع أعطاب فجائية بالشبكة.
وفي هذا السياق، أبرز رئيس الرابطة الوطنية للمواطنة والشباب، الدكتور شادلي فريد، أن التغيرات المناخية أظهرت أن فصل الصيف أصبح أكثر قسوة، وهو ما ينعكس سلبًا على وضع الشبكة الكهربائية الوطنية، التي باتت تواجه أحمالاً قياسية خلال ساعات الذروة.
وأوضح الدكتور شادلي فريد، في تصريح لـ«الشعب”، أن أيّ استهلاك غير عقلاني للطاقة في مثل هذه الظروف لا يؤثر على الفرد وحده، بل يمتد أثره إلى ملايين المواطنين الذين يعتمدون على استقرار الشبكة لتلبية احتياجاتهم اليومية. ومن هنا، فإن ثقافة ترشيد الكهرباء تُمثِّل أحد أهمّ عناصر الأمن الطاقوي؛ لأنها تساهم في الحفاظ على استمرارية الخدمة وتخفيف الضغط على البنية التحتية الكهربائية.
وكشف شادلي، أن مفهوم ترشيد الكهرباء لا يعني الحد من رفاهية المواطن أو التضحية براحة الأسرة، وإنما يقوم على الاستخدام الذكي للطاقة بعيدا عن الإهدار في حالات الضغط على الشبكة، مع اختيار أجهزة كهربائية عالية الكفاءة وأقلّ استهلاك، وإطفاء الإنارة في الأماكن غير المستعملة، وضبط أجهزة التكييف على درجات حرارة مناسبة، واستغلال الإضاءة الطبيعية نهارًا، وكلها إجراءات بسيطة لكنها تحقق نتائج كبيرة جدا عندما تتحوّل إلى سلوك جماعي متزامن. فكل واط يتم توفيره ينعكس إيجابًا على استقرار الشبكة، ويقلل من استهلاك الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاج الكهرباء، ويوفر موارد مالية يمكن توجيهها إلى قطاعات أكثر أولوية كالصحة والتعليم والاستثمار في الشبكة ذاتها.
كما تتطلّع الجزائر بما تمتلكه من إمكانات هائلة في مجال الطاقة الشمسية، إلى تنويع مصادرها الطاقوية وتوسيع استخدام الألواح تدريجيًا في المنازل، غير أن نجاح هذا التوجّه يتطلب أيضًا ترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول، فلا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قدراتها الإنتاجية، أن تحقق أمنها الطاقوي إذا بقي الهدر جزءًا من السلوك اليومي للمستهلكين، بحسب قوله.
وتابع: “المسؤولية في هذا المجال الحيوي مشتركة بين مختلف الفاعلين. فالدولة مطالبة بتكثيف حملات التوعية، وتشجيع استعمال التقنيات الموفرة للطاقة، وسنّ سياسات تحفز على الكفاءة الطاقوية، بينما يقع على عاتق وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية ومنظمات المجتمع المدني نشر الوعي بأهمية الاقتصاد في استهلاك الكهرباء، وتحويله إلى ثقافة مجتمعية راسخة. ترشيد استهلاك الكهرباء لم يعد مجرد استجابة ظرفية لارتفاع درجات الحرارة، وإنّما أصبح خيارًا استراتيجيًا يعكس وعي المجتمع بمسؤوليته تجاه وطنه؛ فكل مصباح يُطفأ عند عدم الحاجة إليه، وكل جهاز يُستخدم بكفاءة، هو مساهمة حقيقية في حماية الشبكة الكهربائية، والحفاظ على الموارد الوطنية، وتعزيز قدرة الجزائر على مواجهة تحديات المستقبل”.
بناء وطن قوي لا يعتمد فقط على ما ينتجه من طاقة، بل أيضًا على مدى حكمة الإستخدام المجتمعي لها؛ لأن الطاقة التي نوفرها اليوم هي استثمار مضمون في أمن الأجيال القادمة واستدامة التنمية الوطنية، يضيف الدكتور شادلي فريد.

