تكريــــس مكانــة البــــلاد كشريـــك موثــوق فـــي الفضــاء الأوروبــي
تشهد الشراكة الجزائرية-الأوروبية تحولًا نوعيًا تجاوز إطار المبادلات التجارية التقليدية والارتباط بقطاع الغاز، لتدخل مرحلة جديدة قوامها الشراكات الاستراتيجية القائمة على الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا، إلى جانب التعاون في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. ويأتي هذا التوجه انسجامًا مع التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر، ورؤيتها بعيدة المدى الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع وأكثر اندماجًا في سلاسل القيمة العالمية، بما يخدم المصالح المشتركة مع شركائها الأوروبيين.
أكد الدكتور بوشيخي بوحوص، أستاذ الاقتصاد بجامعة مستغانم، أن تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وسلوفينيا وفرنسا، يرتبط أساسًا برفع تنافسية المنتجات الجزائرية، مستندًا إلى الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر في إطار تنويع اقتصادها، بالتزامن مع حاجة أوروبا إلى شركاء موثوقين في مجالات الطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد.وأوضح بوحوص، في تصريح لـ»الشعب»، أن المنتجات الجزائرية تمتلك فرصًا واعدة للانتشار في الأسواق الأوروبية، بفضل وجود جالية جزائرية تتجاوز سبعة ملايين شخص، تمثل سوقًا استهلاكية مهمة، وتسهم في التعريف بالمنتج الوطني وتعزيز حضوره، بما يهيئ الظروف لتوسيع انتشاره داخل الأسواق الأوروبية.وأشار إلى أن العلاقات الاقتصادية الجزائرية-الإسبانية استعادت حيويتها خلال الفترة الأخيرة، حيث عادت المبادلات التجارية إلى النمو، خاصة في قطاع الطاقة، الذي تعد الجزائر فيه أحد أبرز موردي الغاز إلى السوق الإسبانية.
وأضاف أن الجزائر وإسبانيا تمثلان شريكين اقتصاديين أساسيين في الفضاء المتوسطي، إذ تقوم الشراكة الثنائية على التعاون في مجال الطاقة، خاصة عبر أنبوب «ميدغاز»، إلى جانب العمل على توسيع التعاون التجاري والاستثماري وإعادة تفعيل مجلس الأعمال الجزائري-الإسباني.
كما اعتبر أن الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر شكلت محطة مهمة لإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية بين البلدين، في ظل الإرادة المشتركة للارتقاء بالشراكة الثنائية وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاستثماري.
ألمانيـا… شراكــة استراتيجيــة متعــددة الأبعـــاد
وبخصوص العلاقات الجزائرية-الألمانية، أوضح بوحوص أن الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى ألمانيا شكلت محطة مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بعدما أرست أسس شراكة استراتيجية تتجاوز التعاون التقليدي في مجال الغاز نحو مجالات أكثر تنوعًا.
وأكد أن مخرجات الزيارة كرست مكانة الجزائر بوصفها موردًا موثوقًا للطاقة بالنسبة لألمانيا وأوروبا، مع توسيع مجالات التعاون لتشمل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، باعتباره أحد الرهانات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة.
وأضاف أن الإعلان المشترك الموقع بين سوناطراك وشركاء ألمان للتعاون في خفض انبعاثات غاز الميثان يعكس التزام الجزائر بالمعايير البيئية الدولية، ويعزز تنافسية صادراتها الطاقوية في السوق الأوروبية.
كما اعتبر أن دعم مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين يمثل خطوة استراتيجية لترسيخ موقع الجزائر كمحور إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة نحو أوروبا.
إيطاليا… شريـك استراتيجـي يتجـاوز قطـاع الغـاز
وفيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإيطاليا، أوضح بوحوص أنها دخلت مرحلة جديدة أكثر عمقًا، حيث تتصدر إيطاليا قائمة الشركاء الاقتصاديين للجزائر داخل أوروبا، بفضل الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين، التي أفضت إلى توسيع مجالات التعاون لتشمل الطاقة والصناعة والاستثمار والابتكار.
وأشار إلى أن مخرجات هذه الزيارات عززت مكانة الجزائر كشريك استراتيجي لإيطاليا في مجال أمن الطاقة، مع الانتقال من التعاون التقليدي في تصدير الغاز الطبيعي إلى شراكة تقوم على تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، بما يدعم موقع الجزائر كمورد رئيسي للطاقة نحو أوروبا.
وأضاف أن الاتفاقيات المبرمة بين سوناطراك وشركة «إيني» الإيطالية تجسد مستوى الثقة المتبادلة بين الجانبين، سواء في مجال استكشاف وإنتاج المحروقات أو في مشاريع الانتقال الطاقوي وخفض الانبعاثات الكربونية، كما تفتح آفاقًا جديدة لتطوير التكنولوجيا ونقل الخبرات وتعزيز الاستثمار.
تنويــع الشركــاء داخــل أوروبــا
وفي هذا الإطار، أكد بوحوص أن العلاقات الجزائرية-الفرنسية، رغم خصوصيتها، ما تزال ترتكز على تعاون اقتصادي واسع، يشمل قطاعات الطاقة والتبادل التجاري والنقل، مع آفاق واعدة لتوسيع الشراكة في صناعة السيارات، والطاقات المتجددة، والبنية التحتية، واستغلال الثروات المنجمية، بما يسهم في نقل التكنولوجيا، واستحداث مناصب الشغل، وتعزيز التنمية الاقتصادية في البلدين.
وأشار إلى أن السياسة الاقتصادية الجزائرية لا تقتصر على هذه الدول، بل تمتد إلى البرتغال، والنمسا، وسلوفينيا، وصربيا، وبلجيكا، وغيرها من الدول الأوروبية، حيث تتوسع مجالات التعاون لتشمل الطاقات المتجددة، والمناجم، والصناعة، والزراعة، والنقل، والتكوين، والبحث العلمي.
ويرى المتحدث أن هذا التوجه يعكس حرص الجزائر على بناء شبكة واسعة ومتنوعة من الشراكات الاقتصادية الثنائية، بما يعزز نقل الخبرات والتكنولوجيا، ويستقطب الاستثمارات الأجنبية، ويفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات الجزائرية، ويكرس مكانة البلاد كشريك اقتصادي موثوق في الفضاء الأوروبي.





