إرســاء حيـــاة سياسيــة جديــدة تقــوم عـلـى الأخلقـة والشفافيــة
ترسيـخ مسعـى تجديـد النخب الوطنية..إشراك الشباب وتمكين النساء
سابقة تاريخية تدخل بها الجزائر مرحلة جديدة في مسار تطوير مؤسساتها الدستورية، بعد انتخاب امرأة لرئاسة المجلس الشعبي الوطني لأول مرة منذ الاستقلال. ويكتسي هذا الحدث أبعادا سياسية ومؤسساتية تتجاوز رمزيته المرتبطة بوصول المرأة إلى ثالث أعلى منصب في الدولة، ليعكس التحولات التي تشهدها الحياة السياسية الجزائرية في ظل الإصلاحات التي باشرتها السلطات العمومية منذ سنة 2020.
يأتي الانتخاب في سياق مسعى تجديد النخب الوطنية، وإشراك الشباب، وتمكين المرأة، وإعلاء معيار الكفاءة في تقلد المسؤوليات، بما يمثل مرتكزات أساسية لبناء مؤسسات أكثر فعالية وانسجاماً مع تطلعات المواطنين.
كما يعكس تطوراً في الثقافة السياسية، التي باتت تنظر إلى المسؤولية من زاوية القدرة على الأداء وتحمل الأمانة، بعيداً عن الاعتبارات المرتبطة بالجنس أو الانتماءات الضيقة.
ولا تقتصر أهمية هذه السابقة على بعدها الوطني فحسب، بل تمتد إلى بعدها الخارجي، باعتبار أن رئيس المجلس الشعبي الوطني يمثل ثالث أعلى مسؤول في الدولة، ويضطلع بمهام دستورية وتمثيلية داخل الجزائر وخارجها، ما يجعل انتخاب امرأة لهذا المنصب رسالة تعكس المكانة التي بلغتها المرأة الجزائرية، والثقة التي تحظى بها في تولي أعلى المسؤوليات.وفي قراءة لأبعاد هذا الحدث ودلالاته السياسية والمؤسساتية، يرى المحلل السياسي مخلوف وديع، في تصريح لـ«الشعب”، أن انتخاب امرأة على رأس المجلس الشعبي الوطني لأول مرة يمثل ثمرة لمسار إصلاحي متكامل، ويؤكد أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة أصبح فيها معيار الكفاءة والخبرة هو الأساس في إسناد المسؤوليات، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.
وأوضح وديع أن انتخاب امرأة لرئاسة الغرفة السفلى للبرلمان يعد سابقة في تاريخ الجزائر، بما يحمله من أبعاد إيجابية تعكس المساعي الحثيثة التي انتهجها صانع القرار الجزائري في سبيل إرساء حياة سياسية جديدة، تقوم على أخلقة الممارسة، وإعطاء الأولوية للكفاءة على حساب أي معيار آخر، سواء تعلق الأمر بالجنس أو الانتماء الحزبي أو الدائرة الانتخابية.
وأضاف أن ما ينتظر رئيسة المجلس الشعبي الوطني من مسؤوليات ومهام لا يختلف بين رجل وامرأة، لأن التحديات المطروحة اليوم هي تحديات تخص الدولة الجزائرية بكل مؤسساتها، وتستوجب تعبئة كل الطاقات والكفاءات الوطنية دون تمييز.
وأكد أن المؤسسة التشريعية مطالبة بمواصلة أداء دورها في سن القوانين، وتعزيز الرقابة على العمل الحكومي، والاستجابة لتطلعات المواطنين، وهي مهام لا تقاس بالجنس وإنما بالقدرة على تحمل المسؤولية وحسن تسيير المؤسسات.
وأشار المحلل السياسي إلى أن الجزائر بحاجة اليوم إلى كل أبنائها، رجالاً ونساءً، في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، وهو ما يجعل من الاستثمار في الكفاءات الوطنية خياراً استراتيجياً لضمان الجاهزية والاستجابة لمختلف التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز فعالية مؤسسات الدولة.
وأكد وديع أن انتخاب امرأة على رأس البرلمان يحمل كذلك دلالات مهمة على الصعيد الدولي، بالنظر إلى أن رئيس المجلس الشعبي الوطني يحتل المركز الثالث في هرم الدولة، ويتولى تمثيل الجزائر في العديد من المحافل البرلمانية والإقليمية والدولية. ويرى أن إسناد هذه المسؤولية إلى امرأة لأول مرة يعكس مستوى الثقة التي أصبحت تحظى بها المرأة الجزائرية، ويبرز مدى كفاءتها وجدارتها في تولي أعلى المسؤوليات داخل الدولة.
وأضاف أن هذه الخطوة تعطي صورة إيجابية عن الجزائر في الخارج، وتؤكد أن الدولة ماضية في تكريس مبدأ تكافؤ الفرص، وأنها تراهن على الكفاءة في تمثيلها داخلياً وخارجياً، لاسيما وأن المرأة الجزائرية أثبتت في مختلف المحطات التاريخية قدرتها على النجاح في المهام التي أوكلت إليها.
وفي حديثه عن الدلالات السياسية والمؤسساتية لهذا الحدث، أوضح وديع أن انتخاب امرأة لرئاسة البرلمان لم يكن حدثاً معزولاً، وإنما هو نتاج لمسار الإصلاحات السياسية التي أطلقها رئيس الجمهورية منذ سنة 2019، والتي استهدفت إعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وإحداث قطيعة مع الممارسات السابقة التي أضرت بصورة العمل التشريعي، وترسيخ قواعد جديدة للحياة السياسية تقوم على النزاهة والشفافية والكفاءة.
وأشار إلى أن البرلمان الحالي يمثل، إلى حد كبير قطيعة مع ممارسات الماضي، ويحمل طموحا لبناء مؤسسة تشريعية أكثر فعالية ومصداقية، عنوانها الابتعاد عن المال الفاسد، وإفساح المجال أمام الكفاءات الوطنية، وتمكين الشباب والمرأة من الاضطلاع بأدوار أكبر في صناعة القرار السياسي.
وأوضح المتحدث أن انتخاب رئيسة المجلس الشعبي الوطني يعكس هذه الرؤية، بالنظر إلى ما تمتلكه من مؤهلات علمية ومهنية بصفتها طبيبة، فضلاً عن رصيدها السياسي الطويل، وتجربتها في العمل الحزبي والانتخابي، وهو ما جعل النواب يمنحونها ثقتهم انطلاقاً من كفاءتها وقدرتها على قيادة المؤسسة التشريعية.
وأضاف محدثنا أن نواب البرلمان، خاصة المنتمين إلى أحزاب الأغلبية، تجاوزوا النظرة التقليدية التي كانت تربط بعض المناصب العليا بالرجل، واتجهوا إلى انتخاب كفاءة من العنصر النسوي لقيادة ثالث أهم مؤسسة في الدولة، وهو ما يعكس تطوراً في الثقافة السياسية، وانسجاماً مع مسار الإصلاحات التي تشهدها الجزائر.
وأكد وديع أن المرأة الجزائرية كانت دائماً شريكاً أساسياً في مختلف مراحل بناء الدولة، فمنذ الثورة التحريرية لعبت دوراً محورياً في الكفاح الوطني، وبعد الاستقلال واصلت حضورها في ميادين التعليم والصحة والقضاء والإدارة والدبلوماسية، كما تقلدت مناصب سامية في الحكومة والمؤسسة العسكرية، لتضيف اليوم محطة جديدة في مسارها بتولي رئاسة المجلس الشعبي الوطني لأول مرة في تاريخ الجزائر.
وتابع المحلل السياسي قائلا: “ الجزائر، وهي تواصل تنفيذ مشروعها الإصلاحي، تؤكد أن خدمة الوطن أصبحت مرتبطة بالكفاءة والاقتدار والنزاهة، وأن المرحلة المقبلة تستوجب تضافر جهود جميع الجزائريين، رجالاً ونساءً، من أجل تعزيز قوة المؤسسات، وترسيخ دولة القانون، والاستجابة لتطلعات المواطنين في بناء جزائر قوية بمؤسساتها وكفاءاتها”.


