جـنــازة شعبــية ورسميـة مهيبــــة..ومشيعـــون مــــن كـــــل الولايــــــات
هبـــّة تضامنــية لمــــآزرة أســر الضحايــا ومواساتهــم فــي هذا المصــاب الجـــلل
تحت هجير الشمس وحرقة القلوب، وبحضور وفد رسمي يتقدمه وزير الداخلية والجماعات المحلية سعيد سعيود، ودعت مدينة العلمة بولاية سطيف، يوم أمس، في جو جنائزي مهيب، 12 من خيرة أبنائها، ضحايا حادث المرور الأليم الذي وقع بولاية بومرداس، في انتظار دفن جثامين باقي الضحايا.
مشهد المقبرة وتوافد المشيعين من كل ربوع الوطن تجاوز في رمزيته مجرد مراسيم الدفن، بل كان لوحة من التلاحم الشعبي والرسمي، حيث اختلطت دموع الحزن بآيات الصبر والاحتساب، في يوم ستذكره مدينة العلمة طويلا ليس بحركتها التجارية، بل بصمتها المطبق حزنا على فلذات أكبادها.منذ الساعات الأولى للفجر، كانت كل الطرق تؤدي إلى مقبرة العلمة، ملامح الوجوه كانت تلخص مأساة عائلات قررت الهروب من الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة نحو شاطئ “الصغيرات” ببومرداس طلبا للاستجمام، لكن “حافلة الموت” كانت بانتظارهم لتكتب الفصل الأخير من حياتهم.
حضور رسمي لمواساة العائلات المكلومة
تصدر المشهد الجنائزي وفد وزاري رفيع المستوى، بتكليف من رئيس الجمهورية، يتقدمه وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ووزير الصحة، برفقة والي ولاية سطيف والسلطات المحلية، الوفد الرسمي الذي شارك في تشييع الجثامين، حرص على التقرب من أهالي الضحايا، مستمعا لانشغالاتهم ومعزيا إياهم في هذا المصاب الجلل، أين جدد سعيود تأكيده في حديثه مع أب فقد ستة أفراد من عائلته في الحادث، التزام الدولة بالوقوف إلى جانب العائلات، ومرافقتها بما في ذلك تلك التي لا تزال تترقب الحالة الصحية لذويها المتواجدين في مستشفيات العاصمة وبومرداس.
النظــرة الأخــيرة..
قبل الوصول إلى المقبرة، كانت سيارات الإسعاف قد نقلت الجثامين من مستشفيات بومرداس والعاصمة نحو منازل الضحايا بالعلمة، بزيارتنا لإحدى العائلات التي فقدت ابنها، خيم الحزن بالجوار والحسرة على المكان، وبالطريق إلى المقبرة كانت قوافل سيارات الإسعاف تنقل صناديق خشبية تضم شبابا في مقتبل العمر ونساء وأطفالا.
وكانت لحظات النظرة الأخيرة للعائلات وهي تودع فلذات أكبادها، أقسى من الحادث نفسه، حيث ودعت الأمهات أبناءهن بالدموع والدعوات، وسط دهشة من هول الفاجعة التي أفقدت بعض العائلات أكثر من فرد في آن واحد.
قصـة صـبر “أب المأســاة”
في زاوية من المقبرة، التف المعزون حول أب عائلة دخوش، بدا عليه وقار الإيمان رغم عظم الفجيعة، هو أب فقد ستة أفراد من عائلته دفعة واحدة، وبنبرة مؤمنة بقضاء الله، روى الأب بحرقة كيف أنه رفض في البداية ذهاب زوجته وأبنائه للرحلة، لكن تحت إلحاحهم وتوقهم لتغيير روتين الحرارة الخانقة، سمح لهم بالمغادرة.
أكثر ما أبكى الحاضرين هو حديثه عن ابنته التي كانت من بين الضحايا، والتي نجحت لتوها في شهادة البكالوريا، حيث قال والغصة تخنق صوته “كان من المفروض أن أقيم لها حفلة نجاحها اليوم، لكننا أقمنا لها جنازة.. الحمد لله على ما أعطى وعلى ما أخذ”.
ملحمة تضامنية.. وتجار يغلقون محلاتهم حدادا
وكعادة الجزائريين في الأزمات، تجلت قيم التآزر والكرم، حيث هبّ شباب العلمة والحركات الجمعوية منذ الصباح الباكر لتنظيم الحشود التي قدرت بعشرات الآلاف من المشيعين القادمين من مختلف الولايات، قاموا بتوزيع المياه والمأكولات على الضيوف والمشيعين في مشهد عكس “شيم الأنفة” التي تميز المنطقة.
وبالموازاة مع ذلك، شهدت مدينة العلمة، القلب النابض للتجارة في الشرق الجزائري، شللا تاما، بعد أن قرر اتحاد التجار غلق جميع المحلات التجارية، خاصة في الحي التجاري المعروف، حدادا على أرواح الضحايا، لتتحول الشوارع التي لا تنام عادة إلى فضاءات للصمت والترحم.
الـوداع الأخــير..
مع مواراة الجثامين مثواها الأخير، رفعت الأكف بالدعاء بالرحمة للمتوفين وبالشفاء العاجل للجرحى القابعين في المستشفيات، غادر الجميع المقبرة، لكن حرقة “فاجعة بومرداس” ستبقى غصة في حلق مدينة العلمة، التي تعلمت اليوم أن القدر قد يترصد الفرح في منتصف الطريق، وأن الصبر هو الملاذ الوحيد أمام عظمة الابتلاء.




