يرى أستاذ الاتصال الاستراتيجي بجامعة المسيلة، الدكتور سلامي اسعيداني، أن البودكاست “تحول إلى أحد أبرز مكونات البيئة الإعلامية الرقمية، مستفيدا من التطور التكنولوجي وانتشار الهواتف الذكية ومنصات البث عند الطلب، بما جعله وسيطا قادرا على إنتاج المعرفة وإعادة تشكيل علاقة الجمهور بالمحتوى الإعلامي”.
وأكد اسعيداني في تصريح لـ«الشعب”، أن قوة البودكاست “تكمن في إعادة الاعتبار للمحتوى العميق في زمن السرعة، ومنح المتلقي حرية اختيار ما يستمع إليه وفق اهتماماته، بعيدا عن البرمجة التقليدية”، موضحا أن هذا التحول “ينسجم مع نظريات الإعلام الجديد التي تتحدث عن انتقال الجمهور من متلق سلبي إلى مستخدم فاعل يختار مضامينه بنفسه”.
وأشار الدكتور اسعيداني إلى أن البودكاست “لم يعد وسيطا تكميليا، بل أصبح ينافس وسائل الإعلام التقليدية في إنتاج المعرفة وصناعة الرأي العام، معتمدا على جودة الفكرة وعمق المحتوى أكثر من اعتماده على تعقيد الوسيلة، وهو ما أعاد للكلمة المسموعة مكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي”.
واعتبر المتحدث أن البودكاست يمثل اليوم “منتوجا ثقافيا يسهم في إعادة تشكيل وعي المتلقي، من خلال الحوارات المتخصصة والبرامج الفكرية والعلمية والسرد الوثائقي، بما يساهم في بناء رصيد معرفي جديد، ويتيح للمثقف والباحث فضاء أوسع للتعبير والنقاش بعيدا عن اختزال الأفكار الذي تفرضه بعض المنصات الرقمية”.
وأوضح أن هذا الوسيط “يرسخ ما يعرف بـ«المعرفة البطيئة”، القائمة على التحليل والتفسير والتفكير المتأني، الأمر الذي يجمع بين جودة المحتوى وسهولة الوصول إليه، ويعزز دوره في نشر الثقافة وترسيخ التفكير النقدي”.
ولفت محدثنا إلى أن البودكاست “لا ينافس الصورة بقدر ما يقدم نموذجا اتصاليا مختلفا”، مشيرا إلى أن التدفق الهائل للصور والفيديوهات “أوجد حالة من الإرهاق البصري، وهو ما أعاد الاعتبار لقوة الكلمة المسموعة، بما تمتلكه من قدرة على بناء الخيال وإثارة التأمل وتعزيز التركيز، فضلا عن نقلها للأبعاد الوجدانية التي يصعب على الوسائط الأخرى محاكاتها”. كما أضاف أن البودكاست “يؤسس لثقافة استماع جديدة، يصبح فيها الإصغاء فعلا معرفيا، لا مجرد استقبال للمعلومة، بما يعكس انتقالا من “اقتصاد الصورة” إلى “اقتصاد المعنى”، حيث تستعيد الكلمة المسموعة دورها في الفهم والتفكير والتأثير”.
وفيما يتعلق بحفظ الذاكرة الجماعية، أكد اسعيداني أن البودكاست “يمتلك إمكانات كبيرة ليكون أرشيفا صوتيا حيا، من خلال توثيق الروايات الشفوية، واللهجات المحلية، والحكايات الشعبية، والأمثال، والأغاني التراثية، وشهادات كبار السن، بما يسهم في صون التراث غير المادي ونقله إلى الأجيال القادمة في قالب رقمي قابل للحفظ والتداول”.
وأشار إلى أن هذه الوظيفة “ تكتسب أهمية خاصة في ظل العولمة الثقافية، التي تهدد بتراجع كثير من الخصوصيات المحلية”، موضحا أن البودكاست “لا يحفظ التراث داخل الأرشيفات المغلقة، وإنما يعيد إحياءه عبر تداوله المستمر داخل الفضاء الرقمي، بما يعزز حضور الذاكرة في الوعي الجمعي، كما أنه لم يعد مجرد منصة صوتية، بل أصبح مؤسسة ثقافية وإعلامية ناشئة تجمع بين إنتاج المعرفة، وبناء الوعي، وحفظ الذاكرة، وتوسيع المجال العمومي للنقاش”. ورجح أن يكون من أكثر الوسائط تأثيرا في تشكيل الثقافة الرقمية خلال السنوات المقبلة إذا استثمر بمحتوى رصين ومنهجية علمية.







