هاتــف ذكـــي وفضـاء بسيــط كافيــــــان لتحقيــق منتــج ثقافي بديــــل
أكد الدكتور اليامين بن تومي أن البودكاست أصبح أحد أبرز التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي والثقافي، بعدما نجح في كسر احتكار المؤسسات التقليدية للإنتاج الإعلامي، وفتح المجال أمام الأفراد والمبادرات المستقلة لصناعة محتوى أكثر حرية وقربا من الجمهور، معتبرا أن الرهان الحقيقي للبودكاست يكمن في قدرته على بناء فضاءات جديدة للحوار والمعرفة.
وفي تصريح لـ«الشعب”، أوضح بن تومي أن الانتشار الواسع للبودكاست يعود إلى بساطة أدوات إنتاجه، مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية التي تحتاج إلى إمكانات تقنية ومؤسساتية كبيرة، مشيرا إلى أن إنتاج حلقة بودكاست لا يتطلب سوى فضاء بسيط وهاتف ذكي وبعض التجهيزات الأساسية، وهو ما جعله وسيلة متاحة أمام الجميع، وقادرا على تجاوز مركزية الإعلام التقليدي، وخلق فضاءات إعلامية أكثر استقلالية ومرونة، وأضاف أن هذه السهولة في الإنتاج ساهمت في بروز أصوات جديدة، لم تكن تجد فرصتها في الوسائل التقليدية، الأمر الذي جعل البودكاست أحد أبرز تجليات التحول الذي يعرفه الإعلام الرقمي في السنوات الأخيرة.
ويرى بن تومي أن البودكاست تجاوز دوره الإعلامي ليصبح منتجا ثقافيا حقيقيا، بعدما استطاع أن يعيد صياغة مفهوم الحوار الثقافي خارج الأطر الرسمية، مؤكدا أنه منح المثقفين والباحثين والمبدعين، إلى جانب مختلف الفاعلين الاجتماعيين، مساحة أوسع للتعبير عن أفكارهم، كما أتاح للفئات المهمشة وللأصوات التي كانت بعيدة عن المنابر التقليدية فرصة إيصال رؤيتها بحرية أكبر.
وأشار محدثنا إلى أن تراجع متابعة وسائل الإعلام التقليدية يقابله ارتفاع واضح في الإقبال على البودكاست الذي أصبح – بالنسبة إلى كثيرين – بديلا أكثر قربا من اهتمامات الجمهور، وأكثر قدرة على مناقشة القضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية بلغة بسيطة وحوار مفتوح.
وفي حديثه عن مكانة الكلمة المسموعة في عصر الصورة، أكد بن تومي أن الوسائط الرقمية الجديدة أحدثت تحولات عميقة في أنماط استهلاك المحتوى، بعدما تراجعت مكانة الصحافة الورقية والوسائط المقروءة لصالح المنصات الرقمية، حتى أصبحت المؤسسات الإعلامية نفسها مضطرة إلى التكيف مع هذه التحولات من خلال إنتاج محتوى صوتي ومرئي للحفاظ على جمهورها، واعتبر أن البودكاست يمثل اليوم أحد أهم أشكال الإعلام الرقمي، لأنه أعاد الاعتبار للكلمة المسموعة، ونجح في استقطاب جمهور واسع يبحث عن محتوى معرفي وثقافي يمكن متابعته بسهولة، دون أن يفقد عمقه الفكري.
وفي قراءته لمستقبل الأرشفة، أوضح بن تومي أن التطور التقني المتسارع يقود إلى تحول جذري في مفهوم الأرشيف، حيث لم تعد الذاكرة الجماعية ترتبط بالوثائق الورقية وحدها، وإنما أصبحت تتجسد أيضا في التسجيلات الصوتية والمرئية، بما فيها البودكاست ومختلف أشكال المحتوى الرقمي، وأضاف أن هذا التحول يجعل البودكاست جزءا من الأرشيف الحي للمجتمعات، بما يحمل من شهادات وأفكار وتجارب تعكس التحولات الثقافية والاجتماعية، مؤكدا أن الأرشيف في العصر الرقمي أصبح صورة وصوتا في آن واحد، وهو تطور طبيعي يواكب الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم.







