يرى الأستاذ الجامعي والكاتب المتخصص في اقتصاديات الإعلام والدراسات الثقافية المعاصرة، الدكتور إبراهيم الخليل بن عزة، أن البودكاست صار أحد أبرز مظاهر التحول في طريقة استهلاك المعرفة، بالنظر إلى ما يتيحه من مساحات للتفكير والحوار، بعيدا عن إيقاع الأخبار السريعة والمقاطع القصيرة.
وأوضح بن عزة في تصريح لـ«الشعب” أن قطاعات واسعة من الجمهور، بعد سنوات من اللهاث وراء المحتويات السريعة، بدأت تبحث عن مضمون يمنحها فرصة التفكير، لا مجرد نشوة التسلية والترفيه. ومن هنا، يقول “بدأ البودكاست يجد مكانه، لأنه لا يفرض على المستمع إيقاعا سريعا، وإنما يدعوه إلى الإنصات وإعادة اكتشاف قيمة الحوار والفكرة”.
ويضيف الباحث أن ما يميز البودكاست عن غيره من أساليب الإعلام الجديد، هو أنه “لا يخاطب الأذن فقط، وإنما يخاطب العقل أيضا”، إذ يمنح صاحبه مساحة كافية لشرح الأفكار بعيدا عن ضغط الوقت الذي تعيشه الإذاعات والقنوات التلفزيونية، كما يمنح المستمع حرية اختيار الوقت والمكان المناسبين للاستماع. وبذلك، أصبح فضاء يلتقي فيه المثقف والباحث وصانع المحتوى مع جمهور يبحث عن معرفة أعمق، بعيدا عن الضجيج الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي، والقيود التي تفرضها وسائل الإعلام الجماهيري.
وانطلاقا من ذلك، يؤكد الدكتور بن عزة أن البودكاست أصبح “منتوجا ثقافيا حقيقيا”، لأنه لا يكتفي بنقل المعلومات، بل يشارك في تشكيل الوعي وتوسيع النقاش حول قضايا الشأن العام، وإعادة الاعتبار للكلمة الهادئة والحجة المقنعة.
ويشير إلى أن كثيرا من الأفكار والآراء انتشرت خلال السنوات الأخيرة بفضل حلقة بودكاست، أكثر مما انتشرت عبر عشرات المنشورات السريعة، لأن الأفكار العميقة، كما يقول، تحتاج إلى وقت حتى تصل، وإلى صوت هادئ حتى تُقنع.
أما عن هيمنة الصورة والفيديو، فلا يرى الأستاذ الجامعي أن ذلك يعني بالضرورة تراجع الكلمة المسموعة “فصحيح أن العصر الحالي هو عصر الفيديو والرسائل البصرية، غير أن الإنسان لم يفقد حاجته إلى الاستماع، بل ربما أعاد اكتشافها بطريقة مختلفة”.
ويستدل على ذلك بإقبال المستمعين على البودكاست أثناء القيادة أو ممارسة الرياضة أو السفر، وحتى قبل النوم، وهو ما جعل الكلمة تستعيد جزءا من حضورها، ولكن في قالب جديد يتناسب مع إيقاع الحياة الحديثة.
ويبرز الدكتور بن عزة، في هذا السياق، خصوصية العلاقة التي يصنعها البودكاست بين المتحدث والمستمع، موضحا أن الصوت يصل مباشرة إلى الوجدان، ويمنح مساحة للخيال لا تستطيع الصورة دائما توفيرها. ولذلك، يشعر كثير من المستمعين بأنهم يعرفون أصحاب البودكاست معرفة شخصية، رغم أنهم لم يلتقوا بهم يوما، معتبرا أن هذه الثقة تمثل أحد أسرار نجاح هذا النوع من المحتوى.
ولا يتوقف دور البودكاست، بحسب الدكتور بن عزة، عند صناعة المحتوى أو نشر المعرفة، إذ يرى أنه يمتلك فرصة كبيرة ليكون “أرشيفا صوتيا للمجتمعات”، فلكل بلد ثقافته وتاريخه وحكاياته ولهجاته وذاكرته الشعبية وتجارب رجاله ونسائه، وهي ثروة قد تضيع إذا لم يتم توثيقها.
ويؤكد أن تحويل هذه القصص إلى حلقات صوتية تحفظها المنصات الرقمية يجعلها جزءا من الذاكرة الجماعية، ويضمن بقاءها متاحة للأجيال القادمة، ليس كمجرد معلومات جامدة، وإنما كأصوات تحمل مشاعر أصحابها وطريقتهم في رواية الحياة.
ويخلص الدكتور إبراهيم الخليل بن عزة إلى أن مستقبل البودكاست لن يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بقدرته على تقديم محتوى صادق وهادف، لأن “الجمهور اليوم لا يبحث عن كثرة الكلام، بل عن الكلام الذي يضيف إليه شيئا، وكلما استطاع البودكاست أن يجمع بين المعرفة والصدق وجودة السرد، سيظل واحدا من أهم الوسائط القادرة على صناعة الوعي وإحياء ثقافة الإنصات في عصر الضجيج والشعارات”.







