تعتبر الدكتورة خديجة باللودمو، البودكاست بأنه مجموعة من الملفات الصوتية التي تتطرق إلى موضوعات مختلفة، وقد تتوفر سلسلة منها لتغطية موضوع واحد في شتى جوانبه، ومن دون تردد يمكن الإقرار بقدرة البودكاست اليوم كمنتوج ثقافي على الإسهام في إعادة تشكيل وعي المتلقي، من خلال استقطاب المثقفين واستحداث فضاءات للتعبير والمعرفة، لأن من أقوى مواضيع البودكاست الرائجة عربيا في وقتنا الراهن البودكاست القصصي أو الوثائقي وكذلك التعليمي.
أكدت أستاذة الأدب المعاصر بجامعة الحاج موسى أخاموك بتمنغست، الدكتورة خديجة باللودمو في تصريح لـ«الشعب” أن البودكاست هو الإذاعة الرقمية المعاصرة المتوفرة في كل وقت وحين، وفي كل مكان، يكفي أن تمتلك هاتفا ذكيا لتقتحم هذا العالم سواء كمنتج أو كمستهلك، مع الانتباه إلى قضية الأرشفة ليطرح التساؤل عن كيفية تحويله إلى أرشيف صوتي حي يحفظ هوية المجتمعات ويصون الموروث المحلي.
في هذا الشأن، ترى باللودمو أن التطرق إلى الموروث المحلي يقودنا إلى فكرة تتمثل في ضرورة تشجيع المهتمين والمختصين بالشأن التراثي في صناعة محتوى البودكاست العربي، من خلال استضافة – مثلا – شخص معمّر يمثل خزانة فكرية لتتم محاورته واستخراج الدرر التي في ذهنه، لتنتقل المعرفة الشفوية إلى حقيقة صوتية مرئية دائمة، هذا التوجه سيمنح المنتوج العربي ثقلا ويزيده قيمة ويعزّز مكانته في التفكير الجمعي، إذ ستعتمد عليه مؤسسات رسمية وسيجد فيه الباحثون والأكاديميون مصدرا لتوثيق المعارف المتعلقة بالكثير من المسائل التي لا تتوفر في بطون الكتب.
وأكدت باللودمو أن نجاح البودكاست يتعلق بشكل أساسي بصانع محتواه، سواء تعلق الأمر بالمحتوى الفردي الذي يقدمه بعض الدارسون والمختصون في مجال معين، أو كان حواريا ينتقي ضيوفه، وتعرف بعض النماذج العربية تزايدا كبيرا في نسب المتابعة لأهمية ما يُقدم من خلالها من معارف، لكن الأمر الذي لا يمكن إنكاره – تقول محدثتنا – أن هناك إقبالا كبيرا على متابعة البودكاست، وقد يكون الأمر اللافت أن جمهوره نوعي، لأن المحتويات التي يقدمها البودكاست على اختلافها، تستقطب فئة معينة من المجتمع، خاصة الباحثين والمهتمين بذلك الموضوع لا غير، فلا يمكن متابعة حلقة من حلقاته من طرف شخص غير معني به، لأن الملل سيكون رفيقه في الدقائق الأولى من الحلقة.
وسجلت محدثتنا أننا نشهد تطورا عربيا كبيرا في صناعة البودكاست، إذ يمكن عدّه من أقوى الوسائط الرقمية تأثيرا ومتابعة، وبدأت تتغلغل ثقافته في المجتمعات العربية، ودخل في ترويج وتطوير العلامات التجارية، فيمكن النظر إليه على أنه وسيلة تثقيفية تعليمية تسويقية بامتياز، فالبودكاست – تواصل باللودمو – تجاوز مرحلة الرفاهية ليصبح ضرورة في حياتنا، خاصة مع إقرار يوم عالمي للاحتفال به يصادف 30 سبتمبر من كل عام، وهو اعتراف عالمي بأهميته في حياتنا وتأثيره الكبير على نمطها وسيرورتها، وهو ما دفع باللودمو إلى التأكيد على أهمية استثماره من أجل الحفاظ على روح أمتنا وجواهرها المكنونة التي يمكن أن يكون التدوين الصوتي ـ المرئي أحد أهم أشكال الحفاظ عليها بالتقرب من حراس الثقافة الشفوية التي نفقد بفقدانهم شطرا كبيرا منها، فها هي إلا فرصة ثمينة تتاح لنا مع البودكاست لتوثيق ما يمكن توثيقه قبل فوات الأوان.







