يمثل الفكر الإصلاحي والمفهومي للمفكر الجزائري مالك بن نبي محاولة استثنائية لإعادة بناء الوعي التاريخي والاجتماعي في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين، وقد انطلق بن نبي في مشروعه التجديدي الممتد عبر سلسلة «مشكلات الحضارة» من رؤية تشخيصية غايتها الكشف عن أسباب الأفول الحضاري وشروط النهوض الاستئنافي. وفي هذا المسار المفهومي المبتكر، يحتل كتاب “مشكلة الثقافة” موقع الرأس من الجسد؛ فهو المعمل الفكري الذي شهد صياغة الأدوات التحليلية والمفاهيمية المؤطرة لكيفية بناء الإنسان، وتشكيل السلوك الاجتماعي، وتوجيه الطاقات الجماعية نحو غايات حضارية موّحدة.
إن العلّة الأساسية التي انشغل بها مالك بن نبي تتجاوز العوارض الظاهرية للتخلّف، لتنفذ مباشرة إلى الركائز النفسية والتربوية التي تشكل شروط الفاعلية الحضارية، وقد صاغ بن نبي في أدبياته معادلة حضارية ثلاثية الأبعاد تتألف من الإنسان، التراب، والوقت. بيد أن هذه العناصر تظلّ مجرد مكونات خام ساكنة تجريدية، ما لم تتدخل قوة حيوية رابعة تعمل كمركّب كيميائي يدمج هذه المكونات في تفاعل عضوي منتج، وتلك القوة الحيوية المنظمة هي الثقافة، وبهذا يخرج بن نبي بالثقافة من أطرها النظرية الضيقة، ليعيد تموقعها كقوة محركة وموجهة ومصممة للبناء الاجتماعي بأكمله.
يمتد هذا التناول الفلسفي ليعالج أزمة الفكر الحديث في المجتمعات النامية، وهي الأزمة الناشئة عن الخلط المنهجي بين امتلاك أسباب العلم، واكتساب مقومات الحضارة، فقد لاحظ بن نبي أن الاصطدام بالنموذج الغربي أحدث حالة من الذهول المعرفي أدت إلى الاكتفاء باستيراد نتاجات الحضارة الغربية دون استيعاب السيرورة الثقافية والنفسية التي أدت إلى إنتاجها، ومن هنا جاء كتاب “مشكلة الثقافة” ليضع خطّة عمل هندسية تفكك البنية الثقافية، وتحدّد عناصرها الوظيفية، وتبين كيفية إعادة تحريكها لتكون أداة بناء ذاتي تنبع من العُمق التاريخي والروحي للأمة.
الثقافـة إطــار حيوي وبنـاء سلوكـي
تتحدّد المقاربة التأسيسية لدى مالك بن نبي عبر الشروع في إعادة تعريف الثقافة صراحة، وتخليصها من الالتباس الشائع الذي يربطها بالتكديس المعرفي أو التحصيل الأكاديمي، إن العرف السائد في الأوساط الثقافية الموروثة والغربية على حدّ سواء يتعامل مع الثقافة بوصفها حشدا من المعارف والمعلومات والأفكار المكتسبة التي يتحلى بها الشخص المتعلم. غير أن مالك بن نبي ينظر إلى هذا الطرح باعتباره اختزالا مخلّا يفصل الفكر عن السلوك، ويحيل الثقافة إلى مجرد ترف فكري وشكل خارجي خالٍ من المضمون التربوي.
تتجلى الثقافة في منظور بن نبي بوصفها وسطا حيويا ومحيطا نفسيا واجتماعيا يغمر الفرد منذ لحظة ولادته، فيصوغ مشاعره، ويوجّه استجاباته السلوكية، ويشكل شبكة علاقاته الاجتماعية، دون حاجة إلى الوعي النظري المباشر بهذا التأثير.. إنها الأسلوب العام للحياة داخل المجتمع، والروح الساري في عاداته وتقاليده ومؤسساته ومعاييره الأخلاقية والجمالية، وبالتالي، فإن الفرد المكتسب للثقافة هو ذلك الإنسان الذي يعكس في سلوكه اليومي قيم مجتمعه ونظامه العام، بغض النظر عن مستواه التعليمي أو شهاداته الأكاديمية.
تقتضي هذه التفرقة الجوهرية بين “المعرفة” و«الثقافة” إدراك أن العلوم والمعارف هي أدوات ووسائل ذات طابع حيادي وعالمي، يمكن نقلها واستيعابها في أي مكان، في حين أن الثقافة هي البيئة المحدّدة لاتجاه استخدام هذه الوسائل والغايات المرجوة منها، قد يحمل الفرد أعلى الدرجات العلمية والتقنية ولكنه يتحرك في حياته اليومية وفق سلوكيات بدائية تخلو من الانضباط والمسؤولية الاجتماعية، وفي المقابل قد يتصرف الإنسان البسيط غير المتعلم وفق قيم حضارية رفيعة تمليها عليه بيئته الثقافية المشبعة بالدستور الأخلاقي والذوق الجمالي. إن الثقافة بهذا المعنى هي التربة التي تنمو فيها المعرفة، وهي الصمام الذي يضمن توظيف العلوم في بناء المجتمع بدلا من تدميره.
التشريـح الوظيفــي للثقافــة
يخطو مالك بن نبي خطوة منهجية فارقة حين ينتقل من التعريف المفهومي للثقافة إلى تحليل بنيتها الداخلية ووظائفها التربوية، وقد وضع – في هذا السياق – نسقا تركبيا يتكون من أربعة عناصر توجيهية تعمل بتكامل تام لتشكل قوام البناء الثقافي لأي مجتمع يسعى نحو النهوض.
يتصدّر التوجيه الأخلاقي هذه البنية الرباعية، وهو المكون الذي يطلق عليه بن نبي “الدستور الأخلاقي”، ويمثل القوة الضامنة للتماسك الاجتماعي، والرباط الروحي الذي يشدّ أفراد المجتمع بعضهم إلى بعض.. إن الأخلاق والقيم العليا هي التي تفرض التضامن والتكافل والتضحية بالمصلحة الفردية في سبيل الغايات الجماعية، وعندما يضعف التوجيه الأخلاقي في مجتمع ما، تتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، ويسود التحلل والأنانية، وتتلاشى قدرة المجموعة على العمل المشترك، مهما بلغت ثرواتها المادية أو معارفها التقنية.
العنصر الثاني هو التوجيه الجمالي أو “الذوق الجمالي”، وهو عنصر يعطيه بن نبي أهمية استثنائية في صياغة الشخصية الحضارية.. إن الجمال في هذا الطرح هو المطار الممتد الذي يتنفس فيه الفكر الاجتماعي؛ فالمحيط المنظم، والعمائر المتناسقة، ونظافة الشوارع، والكلمة الطيبة، والذوق الراقي في التعاملات اليومية، تتضافر جميعها لتشكل نفسية الفرد وتوجّه سلوكه ليكون متسقا مع النظام والجمال.. إن القبح والمظاهر الشاذة والفوضى العارمة تسهم في إفساد الذوق العام وتوليد التبلد النفسي، ما ينعكس مستقبلا على طريقة التفكير والإنتاج، حيث يغدو العقل العاجز عن تذوق الجمال عاجزا عن الإتقان والإحسان في العمل.
ويتجّلى المكون الثالث في المنطق العملي أو الفاعلية السلوكية، وهو العنصر الكفيل بردم الفجوة بين الأفكار والتطبيق، حيث يلاحظ بن نبي أن مجتمعات الفكر الركودي تعاني من ضخامة القول مع قلة العمل، واستغراق الجهد الجماعي في الجدل الشفهي والنقاشات النظرية العقيمة دون تحويل الطاقة الفكرية إلى إنجازات ملموسة، ويأتي المنطق العملي ليصوب هذا المسار، رافعا شعار القيمة الفعلية للفكرة من خلال قدرتها على تغيير الواقع وتحقيق النتائج.. إن الفاعلية هنا هي المعيار الذي يحوّل الفكر من مجرد ظاهرة صوتية أو خطابية إلى حركة تاريخية بانية.
ويأتي التوجيه الصناعي والمهاري ليمثل المكون الرابع والغطاء المادي المحافظ على كيان الثقافة، ويقصد به بن نبي مجمل المهارات والخبرات التقنية والحرفية والإنتاجية التي تضمن للمجتمع استقلاله الاقتصادي وقدرته على حماية كينونته وتلبية احتياجاته الذاتية.
إن المهارة الصناعية والتقنية تسند البناء الأخلاقي والجمالي والعملي، وتمنح المجتمع أسباب القوة والمنعة، ما يتيح للثقافة التعبير عن نفسها في صورة منتجات ومؤسسات ومنظومات عمرانية متكاملة.
ديناميكية العوالم الثلاث وإشكالية التكديــس الحضاري
يتوسّع مالك بن نبي في تحليله عبر ابتكار فلسفة “العوالم الثلاث”، وهي الرؤية التي تقسم الواقع الاجتماعي إلى ثلاثة مجالات متفاعلة ومتداخلة: عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء، ويرى بن نبي أن تطوّر المجتمع وفاعليته التاريخية يتحددان بمدى التوازن والترتيب المنهجي بين هذه العوالم.
ينشأ المجتمع الحضاري الحي من خلال سيادة عالم الأفكار؛ فالأفكار هي التي تقود الأشخاص وتحدّد العلاقات بينهم، وهي التي تصنع الأشياء وتطوع الطبيعة لخدمة الإنسان، وعندما تسيطر الأفكار البناءة على المجتمع، يتحوّل عالم الأشخاص إلى طاقات إنجاز منتجة، ويسخر عالم الأشياء كأدوات لتحقيق الأهداف الحضارية، بيد أن المجتمعات التي تعاني من الأفول تدلف إلى حالة عكسية تتراجع فيها الأفكار لتسود الشخصانية والتعصب لـ«عالم الأشخاص”، أو الاستغراق في المادية الجافة عبر التعلق بـ«عالم الأشياء”.
تظهر هنا الإشكالية الكبرى التي خاض بن نبي في تفكيكها، وهي إشكالية التكديس، وتنشأ هذه الحالة عندما يعتقد المجتمع المتخلف أن بإمكانه دخول عالم الحضارة عن طريق استيراد وتجميع مخرجات الحضارة الغربية من سيارات وأجهزة وأدوات وتجهيزات عمرانية، أي عبر تكديس منتجات “عالم الأشياء”.. إن هذا المنهاج يمثل وهم الإنجاز؛ لأن الأشياء المنتجة في حضارة معينة، ما هي إلا تجسيد مادي لسيرورة أفكار وثقافة تلك الحضارة، ما يعني أن تكديس الأشياء دون امتلاك الثقافة والأفكار المولدَة لها، يجعل المجتمع مجرد مستهلك تابع، يفتقد القدرة على الصيانة والتطوير والإبداع المستقل.
ويقدم بن نبي أمثلة تاريخية حية تبرهن على أن بناء الحضارة يبدأ دوما من صياغة الإنسان وعالم الأفكار، وليس من تجميع الأشياء. فالدول التي دمرت الحرب بنيتها التحتية ومصانعها بالكامل استطاعت في سنوات قليلة إعادة بناء عمرانها واقتصادها بفضل ثروتها الفكرية وقيمها الثقافية المتبقية في نفوس أبنائها، بينما تظلّ الدول التي تملك الأموال الوفيرة عاجزة عن صنع نهضة حقيقية إذا كانت بيئتها الثقافية تشكو من الفراغ الفكري واللافاعلية السلوكية.
الأصالــة المنهجيـــة.. ضـرورة
تتسّم المقاربة التي يطرحها بن نبي في “مشكلة الثقافة” بالعمق النظري الناقد للمفاهيم الغربية الجاهزة، حيث يتناول بالدراسة كلا من المفهوم البورجوازي الليبرالي والمفهوم الماركسي المادي للثقافة، مبينا الخصوصية التاريخية والاجتماعية التي أنجبت كلا منهما.
ينطلق المفهوم البورجوازي الغربي للثقافة من التركيز على البعد الفردي والتذوّق الأدبي والفني والتحصيل المعرفي الراقي، ما يجعل الثقافة وساما طبائعيا أو امتيازا خاصا بالطبقات المترفة، وهو مفهوم يعزل الثقافة عن وظيفتها الاجتماعية التربوية الموجهة للجماهير. وفي المقابل، يقدم المفهوم الماركسي المادي صياغة تختزل الثقافة في كونها انعكاسا شرطيا للبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج وطبيعة الصراع الطبقي، جاعلا من الفكر والأخلاق مجرد بَنات ثانوية للمادة.
ويرفض مالك بن نبي نقل هذه المناهج وإسقاطها القسري على واقع المجتمعات العربية والإسلامية، ذلك أن الاستعارة الآلية للحلول الغربية تعبر عن عجز منهجية التحليل وتؤدي إلى تعميق الأزمة الذاتية، ويرى أن للمجتمعات الإسلامية مصفوفة قيمية وروحية خاصة بها، وتاريخا أفرز أنماطا سلوكية ونفسية متميزة، وبالتالي، فإن معالجة “مشكلة الثقافة” في مجتمعاتنا تقتضي بلورة منهج علمي أصيل ينبع من التربة الاجتماعية والوجدانية الذاتية، ويأخذ بالاعتبار طبيعة البناء الروحي والنفسي للإنسان المسلم.
تصفيــة الـتراث واستشـراف المستقبــل
لا يستقر المفهوم البنابي للثقافة عند حدود الأصالة الساكنة أو التقديس الحرفي للماضي، بل يتعامل مع التراث والثقافة كقوة حركية متجدّدة تتطلّب عملية نقد وتصفية مستمرة، وينبّه بن نبي إلى أن تاريخ الأمة شهد انكسارا حضاريا خطيرا ممتدا منذ مرحلة ما بعد سقوط الدولة الموحدية، وهي الفترة التي بدأت فيها مرحلة الركود وتفشي عادات الانحطاط واستقراء السلبية.
يتطلّب النهوض الثقافي إنجاز عملية تصفية مزدوجة للرصيد الثقافي والموروث الاجتماعي:
تتجه العملية الأولى نحو التصفية السلبية أو النقدية، وهي المجهود الواعي لتطهير البيئة الاجتماعية من رواسب عصر الانحطاط، ومن كافة المفاهيم والأوهام والتقاليد المكبِلة للفاعلية والتي تقعد بالفرد عن الحركة والبناء.. إن التخلص من هذه الرواسب هو بمثابة إزالة الأعشاب الضارة التي تعوق نمو الزرع النقي.
وتتجه العملية الثانية نحو التصفية الإيجابية أو التجديدية، وهي العمل على استعادة القواعد الحيّة والمبادئ السامية والمضيئة من الموروث الأصيل، وبث الروح فيها لتغدو أفكارا ديناميكية تدفع نحو العمل والابتكار، ذلك أن الثقافة الحية هي التي تجمع بين ثبات القيم الأخلاقية والروحية العليا، وبين مرونة الوسائل والأساليب التي تتطلبها مقتضيات العصر الحاضر.
البعـد الإنسـاني وتعايـش الثقافات
يتجاوز مالك بن نبي الأطر الإقليمية والدينيات الضيقة، ليسبح بفكره في الآفاق العالمية والإنسانية الشاملة، فقد أدرك منذ منتصف القرن العشرين أن العالم يتجّه نحو تشابك المصائر وتقارب الشعوب، ما يجعل قضية الثقافة مسألة ذات بعد دولي تؤثر في مجريات السلم والحضارة العالمية.
يتناول بن نبي بالشرح والتحليل قضية “تعايش الثقافات”، متأثرا بالتحولات الجيوسياسية المتمثلة في ظهور حركة عدم الانحياز ومؤتمر باندونج عام 1955، ويرى بن نبي أن الشعوب الأفرواسيوية الخارجة من ليل الاستعمار تحمل موروثا روحيا وأخلاقيا ثريا يمكن أن يسهم في إعادة التوازن للحضارة الإنسانية التي طغت عليها المادية التقنية والغرب الصراعي.
إن الرؤية البنابية تتطلع إلى قيام ثقافة عالمية قائمة على التضامن الأخلاقي والسلام، ثقافة تعترف بالتنوّع والخصوصيات الثقافية للشعوب، وتنبذ هيمنة النموذج الثقافي الواحد القائم على الاستعلاء أو المركزية الغربية، ثم إن التفاعل الحضاري الإيجابي يتحقّق عندما تسهم كل ثقافة بعناصرها القيمة في بناء الوعي الإنساني المشترك، حيث تمدّ الثقافات الروحية الحضارة التقنية بالقيم والأخلاق التي تحمي البشرية من التدمير الذاتي.
الثقافة.. المركــب الحضـاري الشامل
يتبين من خلال قراءة الأفكار المؤسسة لكتاب “مشكلة الثقافة” أن مالك بن نبي قدم خارطة طريق متكاملة للهندسة الاجتماعية والنفسية، فالثقافة عنده ليست رفاهية فكرية ولا ترفا أكاديميا، إنما هي البيئة الشاملة التي تتشكّل فيها الإرادة الجماعية، والنسق الذي يمنح الفرد شعوره بالمسؤولية والواجب تجاه مجتمعه.
إن أزمة النهضة في العالم العربي والإسلامي، كما يراها بن نبي، ستظل قائمة ما لم ينتقل التركيز من حل المشكلات المادية السطحية إلى حل “مشكلة الثقافة”، فبناء المصانع وتشييد المدارس واستيراد التكنولوجيا ستبقى خطوات قاصرة ومؤقتة، ما لم تسبقها أو ترافقها عملية بناء شاملة للإنسان عبر توجيه أخلاقي متين، وذوق جمالي راقٍ، ومنطق عملي فعال، ومهارة صناعية حامية.
ويبقى كتاب “مشكلة الثقافة” شهادة فكرية ساحرة وعميقة الرؤية، تقدم لكل مجتمع يسعى للتغيير والنهوض زاوية نظر منهجية فريدة؛ تتجاوز حلول التكديس والاستيراد، وتضع الأيدي على المحرك الحقيقي للتاريخ: إنه بناء الشخصية الحضارية القادرة على صنع أفكارها، وتشكيل عالمها، وتوجيه مسارها بثقة نحو المستقبل.






