وكالة ترقية الاستثمار.. تعميم الرقمنة وتحديث حافظة العقار الاقتصادي
لم تعد إصلاحات العقار الاقتصادي في الجزائر تقتصر على توفير أوعية عقارية للمستثمرين، وإنما أصبحت جزءا من مسار أوسع لإعادة تنظيم الاستثمار وتحديث الإدارة الاقتصادية، من خلال بناء منظومة تجمع بين الإطار القانوني الجديد، والهيئات المتخصّصة، والمنصات الرقمية، والشباك الوحيد، بما يجعل العقار أداة فاعلة في السياسة الاستثمارية والصناعية.
في هذا السياق، عقدت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، خلال الأيام القليلة الماضية، اجتماعا تنسيقيا خصّص لتعزيز حوكمة العقار الاقتصادي ورقمنته، عبر تحيين الحافظة العقارية والتحقّق من جاهزية الأوعية الموجّهة للاستثمار، كما تمّ التأكيد على إنشاء فضاء رقمي مشترك لتبادل البيانات، بما يعزّز الشفافية، ويسرّع معالجة طلبات الاستثمار، ويوجه العقار نحو مشاريع ذات قيمة مضافة.
ويستند هذا المسار إلى إصلاحات أطلقها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، منذ تولى سدّة الحكم، بهدف الانتقال من معالجة ملف العقار وفق إجراءات متفرّقة إلى منظومة أكثر تكاملا، تستند إلى قواعد قانونية واضحة، وهيئات متخصّصة، ومنصة رقمية لعرض الأوعية واستقبال الطلبات، وصولا إلى مشروع الشباك الوحيد الرقمي.
قاعـــــدة المنظومــــــة الجديــــــدة
يشكّل القانون رقم 23-17 المؤرخ في 15 نوفمبر 2023 محطة أساسية في إعادة تنظيم العقار الاقتصادي، إذ حدّد شروط وكيفيات منح العقار الاقتصادي التابع للأملاك الخاصة للدولة والموجّه لإنجاز المشاريع الاستثمارية.
ووضع القانون إطارا جديدا يجعل الاستفادة من العقار مرتبطة بالمشاريع الاستثمارية، بما يسمح بإدماج السياسة العقارية ضمن السياسة العامة لترقية الاستثمار، وتبع ذلك صدور نصوص تنظيمية حدّدت مكونات العقار الاقتصادي وكيفيات منح الامتياز عليه، إلى جانب تعزيز المنظومة المؤسساتية المكلفة بتسييره.
وبموجب هذه المنظومة، أصبحت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار تضع المعلومات المتعلقة بالأملاك العقارية القابلة لمنح الامتياز تحت تصرّف المستثمرين عبر المنصة الرقمية للمستثمر، متضمنة موقع العقار ومساحته ووضعية القطعة تجاه أدوات التعمير، مع تحيين هذه البيانات عند الحاجة.
وهكذا، أصبحت المعلومة العقارية جزءا من الخدمة الاستثمارية الرقمية، ما يسمح للمستثمر بالتعرف مسبقا على الأوعية المتاحة وخصائصها، وتقديم طلبه إلكترونيا.
أرقـــــام تعكــــس توسّـــع الرقمنـــــة
تكشف الحصيلة الرسمية للوكالة حجم الطلب على العقار الاقتصادي ومدى توسّع الاعتماد على الوسائل الرقمية، فقد تسلّمت الوكالة، خلال الفترة الممتدة من 8 فيفري إلى 14 نوفمبر 2024، ما مجموعه 1913 وعاء عقاريا مهيّأً بمساحة إجمالية بلغت 2191 هكتارا.
وخلال الفترة نفسها، عرضت 782 وعاء عبر المنصة الرقمية للمستثمر في 48 ولاية، بمساحة إجمالية بلغت 1100 هكتار، فيما سجّلت 4266 طلبا، أسفرت معالجتها عن منح 461 وعاء.
وفي 16 أفريل 2026، أعلن وزير الصناعة أنّ عدد الأوعية العقارية التي تم عرضها عبر المنصة الرقمية للمستثمر، منذ دخولها حيّز الخدمة، تجاوز 1670 وعاء، بمساحة إجمالية تفوق 3 آلاف هكتار موزّعة عبر مختلف مناطق الوطن.
وتعكس هذه الأرقام اتساع قاعدة العقار المتاح رقميا، وتزايد الاعتماد على المنصة باعتبارها وسيلة لعرض الأوعية واستقبال الطلبات ومتابعة معالجتها، بما يساهم في تنظيم عملية توزيع العقار وتحسين توجيهه نحو المشاريع الاستثمارية.
مــــن الــورق إلى المنصـــة..
تكتسب رقمنة العقار الاقتصادي أهمية كبيرة باعتبار العقار مرحلة أساسية في إطلاق المشاريع، فقد أصبح المستثمر قادرا على الاطلاع إلكترونيا على الأوعية المتاحة، ومعرفة خصائصها، ثم تقديم طلبه عبر المنصة، دون الحاجة إلى المرور المتكرّر بين مختلف المصالح الإدارية.
وفي المقابل، تتيح الرقمنة للإدارة جمع البيانات العقارية وتحيينها ومتابعة الطلبات بصورة أكثر انتظاما، كما توفّر رؤية أوضح لحجم الطلب وطبيعة المشاريع، وتساعد على تحسين عملية تخصيص الأوعية المتاحة.
توسيــــع مســـــار الإصـــــلاح..
دخل إصلاح منظومة الاستثمار مرحلة جديدة خلال عام 2026، مع صدور ثلاثة مراسيم تنفيذية في العدد 31 من الجريدة الرسمية، تضمّنت إجراءات تهدف إلى تعزيز فعالية الشباك الوحيد وتسهيل الاستثمار، من بينها تدابير مرتبطة بتبسيط الحصول على العقار الاقتصادي، إلى جانب إعادة تنظيم الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وتوسيع صلاحيات الشباك الوحيد.
وفي ماي الماضي، تمّ الإعلان عن العمل على إطلاق الشباك الوحيد الرقمي، بهدف تعميم الرقمنة على مختلف الإجراءات المرتبطة بالفعل الاستثماري، وتوفير مسار أكثر وضوحا وسرعة وأمانا للمستثمر.
كما وقّعت الوكالة اتفاقيّتين مع المحافظة السامية للرقمنة، تتعلق إحداهما بتمكين الوكالة من استغلال الموارد السحابية السيادية، فيما ترتبط الثانية بتجسيد مشروع الشباك الوحيد الرقمي.
أكثر من 20 ألف مشروع.. التحدي الجديد
تأتي هذه الإصلاحات في ظل توسّع قاعدة المشاريع الاستثمارية. ففي ماي 2026، أعلن الوزير الأول أنّ عدد المشاريع المسجّلة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار تجاوز 20 ألف مشروع، بقيمة استثمارية تفوق 9 آلاف مليار دينار.
ويعكس هذا الرقم حجم الملفات التي أصبحت منظومة الاستثمار مطالبة باستقبالها ومعالجتها ومتابعتها، ما يفرض تطوير أدوات الإدارة ورفع قدرتها على معالجة المعلومات واتخاذ القرار ومواكبة المستثمرين.
وبالتوازي مع الرقمنة، تمّ تعزيز صلاحيات الشبابيك الوحيدة التابعة للوكالة، ففي جويلية المنصرم، أعلنت الوكالة الشروع في إصدار التراخيص والوثائق الإدارية اللازمة لتجسيد المشاريع الاستثمارية على مستوى الشباك الوحيد، كما تمّ توسيع صلاحيات ممثلي بعض الإدارات الموجودة على مستوى هذه الشبابيك، إذ فُوّض ممثلو وزارة البيئة وجودة الحياة بإصدار مقرّرات الموافقة على الدراسات البيئية والموافقة المسبقة لإنشاء المؤسّسات المصنفة، بهدف تسريع تجسيد المشاريع.
الرقمنة والشفافية.. مسار متكامل
تتّصل رقمنة العقار بتعزيز الشفافية والنزاهة في معالجة الملفات، وقد وقّعت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، في مارس 2026، اتفاقية تعاون مع السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، بهدف تعزيز التنسيق وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في مجال الاستثمار ودعم الثقة بين الإدارة والمستثمرين.
العقـــار.. رافعــة استثمـار
تؤشّر الإصلاحات العميقة التي استحدثها رئيس الجمهورية، على تحول في النظرة إلى العقار الاقتصادي الذي أصبح جزءا من منظومة متكاملة لترقية الاستثمار ودعم النشاط الصناعي والإنتاجي.
ويمثل مشروع الشباك الوحيد الرقمي الحلقة الأوسع في هذا المسار، من خلال ربط مختلف الإجراءات والخدمات المرتبطة بالاستثمار ضمن مسار واحد، وبذلك، تتّجه الجزائر إلى جعل المعلومة العقارية متاحة، والإجراءات أكثر وضوحا، والطلبات قابلة للتتبّع، والإدارة أكثر ترابطا، بما يقرّب المستثمر من تجسيد مشروعه، ويدفع العقار من مجرّد وعاء إداري إلى رافعة لإنتاج الثروة وخلق مناصب الشغل ودعم التنمية الاقتصادية.



