استرجــاع الأصول وبناء استراتيجية منافســـــة.. نهضة صناعية
تشغيــــــل المصانــع المسترجعـــة.. خطوة لتوطين صناعة السيارات
استراتيجــية التصديــر القـاري.. المنتجــــات الوطنيـة تحـرّك النمو
على مدار الخمس سنوات الماضية، أولت الجزائر بتوجيه من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، اهتماما غير مسبوق بتطوير قطاع الصناعة الوطني باعتباره أحد أبرز ركائز الاقتصاد الجديد، وقاطرة التنمية الاقتصادية الشاملة، ممّا أسهم في تحقيق إنجازات ملموسة أسهمت في النهوض بعديد فروع الصناعة وتعظيم قدراتها الإنتاجية والتنافسية الإفريقية والدولية.
وفي هذا الشأن، أكّدت رئيسة الفيدرالية الجزائرية للتنمية والتعاون الاقتصادي المشترك، سعاد بروال، أن ّالزيارة الأخيرة لوزير الصناعة، يحيى بشير، إلى ولاية عنابة، اكتسبت أهمية بالغة، وعكست الحضور الميداني للوزارة، ومتابعتها المباشرة للمؤسّسات الصناعية، والوقوف على واقع الاستثمار والإنتاج، والاستماع إلى انشغالات الصناعيّين، والبحث عن حلول تسمح بتطوير النسيج الصناعي المحلي.
وأوضحت بروال، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ الدورة الاقتصادية الوطنية تسير وتتشكّل بوتيرة متصاعدة، وباتت تُسهم بوضوح في خلق نسيج صناعي مؤسّساتي منتج للقيمة المضافة، وتوفير مناصب الشغل، وتقليص فاتورة الاستيراد من الخارج بشكل تدريجي.
وتابعت: “هنا تحديدا تظهر أهمية وزارة الصناعة بأن تكون صاحبة الرؤية والاختصاص في إعادة بعث المؤسّسات الصناعية، وأن تُحوِّل عملية استرجاع الأصول المصادرة إلى سياسة صناعية حقيقية، وليس مجرّد معالجة ظرفية لمؤسّسات متوقفة، لكن وزارة الصناعة لا تعمل لوحدها، ولا يجب أن تعمل بمعزل عن باقي القطاعات، فوزارة التجارة لها مسؤولياتها في تنظيم التجارة والأسواق والتصدير والاستيراد، ووزارة الفلاحة لها مسؤولياتها في تطوير الإنتاج الفلاحي وسلاسل القيمة، ووزارة النقل مسؤولة عن اللوجستيك والموانئ والبنية التحتية للنقل، ووزارة الطاقة عن توفير الطاقة، ووزارة المالية عن السياسات المالية والتمويل، ووزارتا التكوين والتعليم العالي عن توفير الكفاءات والمهارات التي تحتاج إليها المؤسّسات. وبالتالي، كل هذه القطاعات ضرورية للصناعة، والتنسيق بينها لا يعني إلغاء السيادة القطاعية لأي منها”.
تكامل في قطاع الصناعة
اعتبرت بروال أنّ سيادة وزارة الصناعة لا تعني فصلها عن باقي القطاعات، وإنما تعني احترام اختصاصها ومنحها القدرة على قيادة القطاع الصناعي وتحمّل مسؤولية نتائجه. والأمر نفسه ينطبق على كل وزارة؛ فإذا كانت وزارة الصناعة مسؤولة عن الصناعة، فيجب أن تكون قادرة على اتخاذ القرار الصناعي ومتابعة المؤسّسات الصناعية. وإذا كانت وزارة التجارة مسؤولة عن التجارة، فيجب أن تكون لها مرجعيتها في الملفات التجارية بالتحديد.
وإذا كانت وزارة الفلاحة مسؤولة عن الإنتاج الفلاحي – تقول محدثتنا – فيجب أن تقود سياستها الفلاحية وتوفّر مدخلات زراعية للصناعات التحويلية، وهكذا بالنسبة إلى النقل والطاقة والمالية والتكوين والتعليم العالي وغيرها.
وفي هذا السياق، أبرزت المتحدثة أنّ وجود وزير الصناعة في الميدان، ومتابعته للمؤسّسات الصناعية، لا يمثل فقط ممارسة لصلاحيات قطاعية، بل يترجم ضرورة جعل الوزارة المرجعية الأساسية للصناعيّين في كل ما يتعلّق بالسياسة الصناعية؛ ذلك أنّ الصناعي لا يريد أن يكون أمام عدة جهات تتحدّث معه حول الملف نفسه، وإنما يريد إدارة متناسقة، يعرف فيها من يقرّر ومن ينسّق ومن يتابع. فالمرحلة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر تتطلب الانتقال من منطق تعدّد المتدخّلين إلى منطق تكامل المتدخّلين.
أهمية بعث مصنع صفائح الفرامل
كشفت بروال أنّ إعادة بعث مصنع إنتاج صفائح الفرامل وملحقاتها بالرغاية، ووضعه حيز الخدمة، ليست مجرّد إعادة تشغيل لوحدة صناعية، بل هي مبادرة تحمل دلالة اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية؛ لأنها تفتح الطريق أمام تحويل الأملاك المسترجعة إلى أصول منتجة تساهم فعليا في تشكيل دورة الإقتصاد الوطني وخلق الثروة ومناصب الشغل.
وتكمن أهمية هذه الخطوة – تقول بروال – في أنها تضع الإنتاج والمناولة الصناعية في صلب المرحلة المقبلة، خاصة في قطاع مكونات السيارات الذي يمثل أساس أي صناعة ميكانيكية حقيقية. فكلّما ارتفعت نسبة الإدماج المحلي، ارتفعت القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الجزائري، وتتراجع الحاجة إلى استيراد قطع الغيار بالعملة الصعبة.
والأهم في هذا كلّه – تؤكّد محدثتنا – أنّ هذا المصنع يمكن أن يكون نواة لمنظومة أوسع من المؤسّسات الجزائرية المتخصّصة في المناولة، بما يخلق وظائف كثيرة، ويشجّع الاستثمار المحلي، وينشّط قطاعات النقل والخدمات والصيانة والتكوين والبحث والتطوير، وأضافت أن الطموح لا يجب أن يتوقف عند تلبية احتياجات السوق الوطنية إذا ما ارتقى الإنتاج وفق معايير الجودة والمنافسة، والتخطيط إلى تحويل هذه المشاريع مستقبلا إلى قاعدة لتصدير مكونات السيارات نحو الأسواق الإفريقية، وهو ما يجعل من الصناعة الوطنية مصدرا للقيمة المضافة والعملات الصعبة بدل أن تكون السوق الجزائرية مجرّد وجهة للاستهلاك الداخلي فقط.
وأردفت: “في الفيدرالية الجزائرية للتنمية والتعاون الاقتصادي المشترك، نعتبر أنّ المبادرة تحمل رسالة مهمة، تفيد أنّ استرجاع الأملاك ليس نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة يتم فيها استرجاع الإنتاج، الاستثمار، مناصب الشغل والقيمة المضافة. فنجاح هذه التجربة يجب أن يشجّع على إعادة بعث المزيد من الأصول الصناعية المسترجعة وربطها بمنظومة المناولة والإنتاج والتصدير. كما أنّ الجزائر اليوم بحاجة إلى صناعة لا تكتفي بتعويض الواردات محليا، وإنما تنتج بجودة تنافسية، وتفتح لنفسها مكانا في الأسواق الإفريقية والدولية”.
الأهمية الحقيقية للخطوة تتجسّد أيضا، في تحويل ما كان في الماضي أصلا معطلا إلى طاقة منتجة، وفي جعل مكافحة الفساد واسترجاع الممتلكات المصادرة إلى فرصة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجا وإدماجا وسيادة وقدرة على المنافسة قاريا ودوليا، تذكّر سعاد بروال.




