الورشـات الفنّيــة تجمــع بـــــين متعـة التعلّــــم والالتـــزام الأكاديمــي
أكد المدير الفنّي للمسرح الوطني، جمال قرمي، أن الورشات الفنية لم تعد مجرّد فضاءات لتعليم تقنيات الفنّ، بل أصبحت ضرورة ثقافية وتربوية تسهم في بناء شخصية الطفل والشاب، وتنمية الحس الجمالي وروح الحوار والعمل الجماعي، فضلا عن ترسيخ قيم المواطنة والانتماء والهوية الثقافية، معتبرا أن الاستثمار في الورشات هو استثمار مباشر في مستقبل المسرح والسينما والثقافة الوطنية.
وأوضح قرمي في تصريح لـ«الشعب”، أن التحوّلات الرقمية التي يشهدها العالم جعلت الوصول إلى المحتوى الثقافي أكثر سهولة وسرعة، وهو ما يحمل أبعادا إيجابية وأخرى سلبية، مؤكدا أن حسن توظيف الوسائط الرقمية يمكن أن يسهم في تطوير الذوق الفني لدى الأجيال الصاعدة، إذا اقترن بالتأطير والتكوين السليم داخل الورشات الفنية.
ويرى المتحدث أن الورشات الفنية تشكّل القاعدة الحقيقية لاكتشاف المواهب وصقلها، باعتبارها المدرسة الأولى التي يكتشف فيها الطفل أو الشاب قدراته الفنية وفق أسس علمية وأكاديمية واضحة، مشيرا إلى أن أغلب الفنانين كانت بداياتهم في المدارس الهاوية أو داخل الورشات التكوينية قبل الانتقال إلى الاحتراف.
وشدّد قرمي على أن نجاح هذه الورشات يبقى مرتبطا بحسن اختيار المؤطر، الذي ينبغي أن يمتلك برنامجا بيداغوجيا يجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، بما يسمح بتكوين فنان يمتلك المعرفة والمهارة معا، مؤكدا أن الاستثمار في التكوين يعدّ المدخل الأساسي لبناء أجيال قادرة على تجديد المشهد المسرحي والسينمائي الجزائري.
وأكد قرمي أن تجديد الحركة المسرحية والسينمائية يقتضي منح الفرصة للأجيال الجديدة للتعبير عن رؤيتها الإبداعية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التواصل مع أصحاب الخبرة، معتبرا أن الورشات الفنية، إلى جانب الملتقيات والمهرجانات، تمثل فضاءات حقيقية للتلاقح الفكري والفني، حيث تنتقل الخبرات والتجارب مباشرة بين الفنانين الرواد والمواهب الصاعدة.
وأضاف أن المبدع يبقى ابن بيئته وعصره، لذلك فإن الأفكار والرؤى الجديدة التي يقدمها الشباب تمنح الإبداع نفسا متجددا يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية، شريطة ألا يكون ذلك على حساب الهوية الثقافية، بل في إطار التأطير والاستفادة من خبرات الأجيال السابقة.
كما أوضح قرمي أن الورشات لا ينبغي أن تختزل في أنشطة ترفيهية أو لقاءات ظرفية هدفها ملء الفراغ، مؤكدا أن الورشة الحقيقية تقوم على برامج بيداغوجية واضحة، وتوازن بين متعة التعلّم والانضباط الأكاديمي، حتى تحقق أهدافها في التكوين الفني.
وأضاف أن كل طفل أو شاب يكتشف موهبته داخل ورشة فنية يمثل مشروعا لفنان أو مبدع أو مواطن يمتلك وعيا جماليا وثقافيا، وهو ما يجعل الاستثمار في الورشات استثمارا استراتيجيا في الإنسان وفي مستقبل الثقافة الوطنية.
واختتم قرمي حديثه بالتأكيد على أن مستقبل المسرح والسينما في الجزائر يبدأ من ترسيخ ثقافة التكوين، وجعل الورشات الفنية جزءا من السياسات الثقافية والتربوية، وربطها بمسرحة المناهج التعليمية، لأنها، في نظره، تصنع الإنسان قبل الفنان، وتساهم في حماية الهوية الوطنية، وصناعة جمهور واع يمتلك الذوق الفني والقدرة على قراءة العمل المسرحي والفني.






