حين يتكلم الطين بلسان الجذور … يقف أمامنا عمل نحتي تشكيلي مدهش، يقف على تخوم الذاكرة الحجازية الأصيلة، وكأنه انتُزع من رحم الزمن القديم ليُوضع على منصة العرض شاهداً على حضارة لا تنسى ولا تُنسى …
لا يكتفي الفنان علي السليماني بمحاكاة العمارة الحجازية التقليدية، بل يعيد بناءها من الداخل، يُسكنها بأرواح تتحرك، يُدفئها بنبض اجتماعي دافق… فما نراه ليس مجرد نموذج معماري مصغّر، بل هو «قصيدة مكانية بالغة الدلالة» نُحتت من طين الهوية وضُفرت بأناملِ فنان يعرف معنى ما يصنع.
يقوم التكوين الإنشائي على منطق هرمي مُحكم… الأرض حياة، والأسوار حضارة، والزخارف قصيدة، يرتفع المبنى في ثلاثة طوابق وكأنها ثلاثة فصول من ملحمة واحدة، أرض ومجتمع وسماء، ما يلفت النظر هو احترام البنية المعمارية للقاعدة الذهبية في توزيع الكتل… المساحات لا تتزاحم، بل تتناغم كأصوات في لحن متعدد المقامات.
الشرفات المتكررة بتنويعاتها، والأقواس الرشيقة في مدخل البنيان، والتشكيلات الخشبية المحفورة بدقة الحرفي العارف… كل ذلك يُشكّل إيقاعاً بصرياً راسخاً يُرقص العين في حركة دائرية صاعدة نحو الشرفات المسننة في الأعالي، والتي تختتم العمل كما يختتم الشاعر قصيدته بسطر يأسرك ويُطلقك في آنٍ واحد.
أما الألوان فقد اختارها الفنان ليبعث من عمقها التشكيلي والروحي ثنائية لونية بالغة الحكمة… «الأبيض الترابي»… أو ما يقترب من العاجي المطفأ… لجدران المبنى، و… البني الدافئ… الذي يميل إلى الخشبي الطبيعي لكل التفاصيل الزخرفية.
هذا الاختيار ليس بريئاً من المقصد:
– «الأبيض الترابي» ليس أبيض التطهر الصارم، بل هو أبيض الحجر الحي، المشرب بحرارة الأرض والتاريخ … يحمل الذاكرة دون أن يثقل عليها.
– «البني الخشبي» ينتمي إلى سلّم الأوكر والعسلي، وهذان اللونان في الفلسفة البصرية يمثلان الجذر والأمان والانتماء، كأنهما ترجمة لونية لمفهوم «البيت» في وجدان الإنسان العربي.
التضاد الرقيق بين هذين اللونين … لا الصارخ المتقاطع … يُنتج توتراً جمالياً هادئاً يشبه ما يفعله «مقام البياتي» حين يُرددّه المنشد… دافئ حزين عميق، يُصالح المستمع مع خسارة ما فات.
أما المشاهد الإنسانية الصغيرة عند قاعدة العمل… اللاعبان بالنرد، الواقف بثوبه الأبيض، الحرفي وأدواته… فهي تُدخل «اللون الأبيض الصافي» و»الأزرق الخافت» و»الأحمر الداكن» كلهجات لونية في نص الصمت البني، تماماً كما تُضاء نجوم خافتة في سماء مكتفية بنفسها.
لقد تحدث الفنان علي بلغة الأرابيسك والخشب… لغة ما وراء الزخرفة… لا تكتسب الزخرفة الأرابيسكية في هذا العمل قيمتها من الجمال الشكلي وحده، بل من كونها «فلسفة مُشكّلة» الأرابيسك في العمارة الإسلامية يقوم على مبدأ اللانهاية المتكررة… الدائرة تلد دائرة، والنمط يولد نمطاً… وهذا يوازي على الصعيد الروحي فكرة أن الجمال لا ينتهي وأن الكون لا يُغلق.
في هذا العمل، حَوّل السليماني الخشبَ إلى شعر منثور… «الشبكية الهندسية في الشرفات»… تقرأها من بعيد كلحن، ومن قريب كحروف… وهذا بالضبط ما يفعله الخط العربي… يمنحك المعنى مرتين … مرة للعقل ومرة للعين.
إن كنّا نبحث عن المقام الموسيقي الذي عزفه الفنان علي في هذا العمل، فلا نتردد في القول… إنه «مقام الحجاز»… لا مجازاً بل تحقيقاً، مقام يجمع بين الشوق والعظمة والانتماء، مقام يُذكّرك بأن ثمة وطناً لم تره لكنك تشتاق إليه.
تُعزز ذلك «التكرارية الإيقاعية» في الشرفات والنوافذ والأقواس… تكرار لا يُمل لأنه ينمو ولا يتشابه تماماً، كما يتكرر البيت الشعري في القصيدة العمودية حاملاً في كل تكرار معنىً مختلفاً.
ما يُعلي من قيمة هذا العمل إنسانياً هو أنه لا يعرض البيت الحجازي فارغاً… بل يُسكنه، الشخصيات في قاعدة العمل ليست ديكوراً… إنها «الروح التي تجعل الحجارة تتنفس» اللاعبان بالنرد في فسحة البيت يُجسّدان فلسفة «المقهى الاجتماعي العربي»… ذلك المكان الذي يتوازن فيه الوقت والقيلولة والتأمل.
الحرفي بجانبه، والواقف المتأمل بعيداً… هؤلاء ليسوا أفراداً، بل هم أنماط من الحضارة تتكلم بلغة الشكل والحجم.
في زمن تتسابق فيه الفنون نحو التجريد المُجرَّد من المعنى، يأتي الفنان علي السليماني ليؤكد أن الأصالة ليست تراجعاً عن الحداثة، بل هي «الحداثة الحقيقية» التي تعرف من أين تبدأ لتعرف أين تمضي، عمله «البيت الحجازي… ذاكرة من حجر وخشب وبشر» عمله هذا درس في التواضع أمام الموروث، وجرأة في إعادة تشكيله بأدوات الفنان المعاصر. دُمت للجمال والأصالة أيها الفنان المبدع. ودامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا.







