يختتم اليوم برواق عائشة حداد بالجزائر العاصمة، معرض «بضع نغمات من التحوّل» للفنانة التشكيلية فاطمة الزهراء بودخانة الذي جمع أكثر من 30 لوحة تشكيلية، في تجربة فنية اختارت فيها الفنانة الموسيقى لغة بصرية للتعبير عن الإنسان، عن أفراحه وضغوطاته، عن علاقاته وتحوّلاته، وعن حاجته الدائمة إلى مساحة من الهدوء وسط إيقاع الحياة المتسارع.
تأخذ الفنانة فاطمة الزهراء بودخانة الزائر في هذا المعرض في رحلة مختلفة بين اللون والشكل والنوتة الموسيقية، حيث لا تحضر الموسيقى باعتبارها موضوعا فقط، بل تتحوّل إلى عنصر أساسي في بناء اللوحة. فالنوتات تتداخل مع الألوان، وتظهر أحيانا في أشكال عضوية، بينما تتحوّل الألوان إلى ما يشبه الألحان المتحركة، في تكوينات تجمع بين التجريد والسريالية وتحمل الكثير من الشاعرية.
وتعتمد الفنانة في أعمالها على تقنيات مائية مختلطة، تجمع بين الألوان المائية والكولاج وبعض اللمسات المعدنية، ما يمنح اللوحات تنوّعا بصريا واضحا، ويخلق مساحات من الشفافية والضوء والحركة. ولا تحمل الأعمال عناوين، وهو ما يترك للمتلقي حرية الدخول إلى عالمها وتأويل رموزها وفق تجربته الخاصة.
وتحضر المرأة بقوة في عدد من الأعمال، فتظهر في إحدى اللوحات داخل فضاء مغلق، في صورة تختزل حالة من القهر والصمت والانغلاق، بينما تتدخل النوتات الموسيقية في التكوين وكأنها مفاتيح تفتح الأبواب المغلقة وتعيد للمرأة صوتها وحضورها، وفي أعمال أخرى تظهر المرأة في صورة أكثر إشراقا، مرتبطة بالحياة والأمومة، حيث تتخذ هيئة نوتة موسيقية تحمل في داخلها جنينا، في إشارة إلى استمرار الحياة وتجدّدها.
وتحتفي الفنانة بودخانة بالعلاقة الإنسانية القائمة على المشاركة والتكامل، من خلال أعمال تستحضر الزوجين في صورة ثنائي متناسق، يتقاسمان الطريق كما تتناغم نغمتان داخل لحن واحد. أما الزمن، فيحضر في إحدى اللوحات من خلال ساعة مرتبطة بنوتة موسيقية، في صورة تطرح سؤالا حول علاقتنا بالوقت. فالحياة الحديثة تدفع الإنسان إلى الركض المستمر خلف المواعيد والالتزامات، حتى يكاد ينسى أن يتوقف قليلا ليتأمل ويعيش اللحظة. وهنا تتحوّل الساعة إلى رمز للانشغال الدائم بالزمن، بينما تصبح الموسيقى دعوة إلى استعادة الإيقاع الإنساني للحياة.ويأخذ المعرض بعدا إنسانيا، إذ لا تكتفي الفنانة بتقديم أعمال جميلة بصريا، وإنما تحاول أن تجعل منها فسحة للراحة، وكأن اللوحة تمنح المتلقي لحظة يبتعد فيها عن صخب الخارج ويستعيد شيئا من هدوئه الداخلي، من خلال تعدّد الألوان والأشكال والرموز، وتوزيعها داخل اللوحة بطريقة تشبه بناء مقطوعة موسيقية، حيث لكل لون إيقاعه ولكل شكل حضوره. وتحضر الألوان الوردية وتدرجاتها في عدد من الأعمال، فتمنحها لمسة أنثوية رقيقة، بينما تتخذ الأزهار أحيانا هيئة نوتات موسيقية، في لقاء بين الطبيعة والموسيقى. كما تترك الفنانة مساحات للحركة والشفافية، مستفيدة من طبيعة الألوان المائية التي تسمح للماء والصبغة بالتداخل والانسياب، فتبدو الأشكال وكأنها في حالة تحوّل دائم. وهذا التحوّل هو جوهر المعرض؛ فليس هناك شكل ثابت أو معنى مغلق، بل حركة مستمرة بين اللون والشكل والفراغ، وبين الواقع والحلم، تتحوّل النوتة إلى شكل، واللون إلى إحساس، والفراغ إلى مساحة للتنفس، بينما تتحوّل اللوحة في النهاية إلى فضاء مفتوح على التأويل.






