أكّد الدكتور مصطفى ولد يوسف أن الشعر يظل ضرورة وجدانية وحصنا للمشاعر الإنسانية، رغم التحديات الكبرى التي يفرضها الزحف التكنولوجي المتمثل في الذكاء الاصطناعي وسيادة الرواية كجنس أدبي مهيمن.
وأوضح الأكاديمي، في مقال نشره على منصة «فايسبوك» حول دوافع استمرارية قراءة الشعر، أن هذا الصنف الأدبي يسعى جاهدا لإثبات ذاته من خلال خلق أنماط إيقاعية جديدة تضاهي السرد، مع احتفاظه بجوهره الجمالي الفريد، وأشار إلى أن تدافع المعارف وانتشار منصات الترفيه أثرا سلبا على الذائقة العامة، ما أدى إلى انسحاب العديد من الشعراء الأقحاح في صمت بغية الحفاظ على رمزية القصيدة، في حين توجه آخرون نحو الكتابة السردية لضمان بقائهم في الساحة الإعلامية والنقدية.
وفي سياق استعراض التحولات التاريخية للقصيدة، أبرز ولد يوسف أن تراجع الإقبال على الشعر الكلاسيكي دفع بقامات أدبية كبرى نحو التجريب والابتكار، مستشهدا بتوجه «أدونيس» نحو صياغة رؤى وأساليب مستحدثة، ومسار «نزار قباني» الذي اعتمد نهج الاستفزاز لكسر الطابوهات وتحقيق التواجد التجاري والإعلامي، وقارن المتحدث هذا المسار بالتفوق الذي حققه السرد في الوعي المجتمعي، كما تجلى بوضوح في تجربة الروائي «نجيب محفوظ».
وشدّد الباحث على أن الارتباط بين الإنسان والشعر يظل وثيقا وأبديا لكونه كائنا وجدانيا بالدرجة الأولى. واعتبر أن التقنية وعولبة الحياة الاجتماعية المرافقة لها تعجزان تماما عن مكننة المشاعر العميقة والخيالات الإنسانية التي تنتظر الانعتاق عبر القصيدة الشفافة.
وخلص الدكتور ولد يوسف إلى أن الثورة الصناعية باعدت سابقا بين القصيدة والطبيعة، ما أورث الإنسان المعاصر قلقا وضياعا في المدن الإسمنتية، ليستمر التحدي الأكبر اليوم مع الثورة الرقمية، وحذر من الخطر المحدق الذي يواجه الشعر في معركته الحالية للحفاظ على مملكته الهوياتية النابضة بالمشاعر الأصيلة، متسائلا عن قدرة القصيدة على الصمود، وتفادي الانزلاق نحو كتابة خوارزمية تجرد الإبداع من عفويته وحلمه الطبيعي.






