تشهد صورة المغرب وعلاقاته مع إسبانيا تدهورا متزايدا، على خلفية توالي الأزمات المرتبطة بملفي الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات، إلى جانب تنامي الانتقادات الموجهة إلى الرباط بشأن طريقة تعاملها مع هذه الملفات، التي باتت تلقي بظلالها على التعاون الأمني والسياسي بين البلدين وعلى نظرة الرأي العام الإسباني إلى المغرب.
تأتي أزمة الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة الإسبانية قبل ثلاثة أسابيع في صدارة هذه التطورات، بعدما شهدت المدينة، نهاية جويلية الماضي، تدفقا غير مسبوق لآلاف الأشخاص القادمين من المغرب، في مشهد أعاد إلى الواجهة الاتهامات الموجهة إلى الرباط باستخدام الهجرة ورقة للضغط السياسي على إسبانيا، وما يترتب عن ذلك من تداعيات على أمن الحدود الإسبانية واستقرار الضفة الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
وتشير شهادات إعلاميين مغاربة، أوردتها مصادر صحفية، إلى أن ظاهرة الهجرة الجماعية لا يمكن فصلها عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، في ظل الفقر والبطالة والاختلالات البنيوية.
انقطاع حبل الثقة بين المخزن وشعبه
ويجزم هؤلاء الإعلاميين، أن استمرار بقاء عدد من المهاجرين في سبتة رغم ظروف التشرد والجوع، ورفضهم العودة إلى المغرب، يعكس، في تقديرهم، مستوى عميقا من اليأس الاجتماعي، ويكشف أن الهجرة لم تعد مجرد ظاهرة مرتبطة بعوامل فردية، بل أصبحت تعبيرا عن أزمة ثقة متنامية في المستقبل داخل البلاد.وفي هذا السياق، رفض الإعلامي المغربي خالد البكاري اختزال الظاهرة في مؤامرات خارجية، معتبرا أن أسبابها الحقيقية ترتبط، أساسا، بـ»عناصر بنيوية في كيفية إدارة الدولة»، في ظل اتساع دائرة الفقر وارتفاع البطالة وتنامي الفوارق الاجتماعية. كما اعتبر أن الاحتجاجات المرتبطة بالعطش والصحة والتعليم والسكن والبنيات التحتية، إلى جانب محاولات الهجرة غير النظامية، تعكس وجوها مختلفة لأزمة اجتماعية عميقة.
مساومـة وابتـزاز
غير أن تداعيات أزمة سبتة تجاوزت بعدها الاجتماعي الداخلي لتعيد طرح إشكالية توظيف المغرب لورقة الهجرة في علاقاته مع إسبانيا. فقد أثارت طريقة تعامل الرباط مع موجات العبور الجماعي انتقادات واسعة، خصوصا في ظل ما اعتبره منتقدون صمتا رسميا خلال الأيام الأولى للأزمة، قبل صدور تصريحات أمنية مقتضبة لم تتناول، بحسب تلك الانتقادات، الأسباب الاجتماعية والسياسية الكامنة وراءها.
ولا تقتصر مظاهر التوتر على ملف الهجرة، إذ يشكل تهريب المخدرات القادمة من المغرب وغسيل الأموال القذرة الناتجة عن بيعها أحد أبرز الملفات التي تثير قلق السلطات الإسبانية والأوروبية، في ظل توالي عمليات ضبط شحنات كبيرة وتفكيك شبكات تنشط في نقل الحشيش وغيره من المخدرات إلى السوق الأوروبية.
سبتــة ومليليــة
ولا تقتصر التداعيات على ملفي الهجرة والمخدرات، إذ يتزامن تصاعد التوتر مع تنامي خطاب مغربي يطالب بتجريد إسبانيا من مدينتيها سبتة ومليلية، وهو ما بدأ يثير حساسية متزايدة داخل إسبانيا، باعتبار أن الأمر يلامس مباشرة وحدة التراب الإسباني ومستقبل المدينتين.
ولا يبدو هذا التوجه منفصلا عن سياق أوسع في السياسة المغربية، إذ إن المطالب المتعلقة بسبتة ومليلية ليست جديدة، بل تندرج ضمن تصور توسعي ظل حاضرا في الخطاب والممارسة السياسية المغربية منذ عقود. ومن هذه الزاوية، فإن استغلال أزمات الهجرة أو الأزمات الحدودية لإعادة طرح ملف المدينتين قد يضيف بعدا جيوسياسيا جديدا إلى التوتر المغربي الإسباني، ويعمق شعور الصدمة والقلق لدى الإسبان إزاء احتمال استخدام أدوات الضغط غير التقليدية، ليس فقط للتأثير في سياسات مدريد، وإنما أيضا لإعادة فتح ملفات إقليمية ظلت تعتبرها إسبانيا محسومة في إطار سيادتها على المدينتين.
