تقنيـــات التزييف العميــــق تفرض تحديات أخلاقية وقانونية جديــدة
تشجيـــع البحث العلمـــــي في مجـــال أخلاقيات الإعلام والتحــول الرقمـــي
النشر الأفقي لثقافة الاستخـــدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.. ضرورة
اعتبر أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة وهران 1 الدكتور محمد الأمين زنوحي، أن الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما أفرزت من قضايا تتعلق بمصداقية المعلومات، والتضليل الرقمي، أدى إلى تراجع العلاقات الإنسانية المباشرة، ما يستدعي النظر عن كثب في آثار هذه الانعكاسات الخطيرة ووضع حلول ناجعة تقوم على الوعي والتربية الصحيحة وقيمة الصدق والنزاهة.
وقال الدكتور زنوحي في تصريح لـ»الشعب» إن الثورة الرقمية التي يعيشها العالم عامة أتاحت فرصا كبيرة في مجال الاتصال والمعرفة والتعلم، غير أنها أفرزت – في المقابل – تحديات غير مسبوقة مست المنظومة القيمية والأخلاقية داخل المجتمعات، وأضاف أن المنصات الرقمية أصبحت المصدر الرئيسي للمعلومات بالنسبة لملايين المواطنين، لا سيما فئة الشباب، الأمر الذي منحها قدرة كبيرة على التأثير في تشكيل الرأي العام وصناعة الاتجاهات وتكوين الوعي الفردي والجماعي.
وقال زنوحي إن «هذا الفضاء يشهد توسعا ملحوظا في انتشار الأخبار الزائفة، والمعلومات المضللة، وخطابات الكراهية، والمحتويات المفبركة»، وهو ما يستدعي دق ناقوس الخطر والعمل على ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء كل ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح محدثنا أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تعتمد على الحلول التقنية أو التشريعية وحدها، على الرغم من أهميتها، وإنما يتطلب الأمر الاستثمار في بناء الإنسان، من خلال تنمية قدراته على التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، والتمييز بين الحقيقة والتضليل، إلى جانب التعامل مع المحتوى الرقمي وفق ضوابط أخلاقية وقيمية.
وفي هذا السياق – يواصل محدثنا – تبرز التربية على قيمة الصدق باعتبارها حجر الزاوية في بناء الثقة داخل البيئة الرقمية؛ فالصدق لا يقتصر على الامتناع عن نشر الأخبار الكاذبة، بل يمتد إلى الالتزام بالأمانة العلمية، واحترام حقوق الملكية الفكرية، والتحقق من المصادر، وتحمل المسؤولية عند إنتاج المحتوى أو إعادة نشره، وأوضح أن «مفهوم الوعي النقدي الرقمي أصبح من محوريا في الدراسات الإعلامية والتربوية المعاصرة، لأنه يهدف إلى تمكين الأفراد من امتلاك مهارات التفكير النقدي، وفهم طبيعة الرسائل الإعلامية، وإدراك تأثير الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تشكيل المحتوى الذي يتلقاه المستخدم».
في السياق، أشار زنوحي إلى أن «المواطن الرقمي الواعي هو الذي لا يكتفي باستهلاك المعلومات، وإنما يحللها، ويتحقق من صحتها، ويقارن بين مصادرها، ويدرك السياقات التي أنتجت فيها قبل تبنيها أو إعادة تداولها».
وركز زنوحي على الدور المحوري الذي تضطلع به المؤسسات التربوية في ترسيخ ثقافة الوعي الرقمي، حيث لم تعد المدرسة والجامعة مطالبتين بنقل المعارف فحسب، إنما أصبحتا مسؤولتين عن تنمية التفكير النقدي، وإكساب المتعلمين مهارات التربية الإعلامية والمعلوماتية، وغرس قيم الصدق والمسؤولية والاحترام داخل البيئة الرقمية.
وفي المقابل، تظل الأسرة – يقول زنوحي – «الشريك الأول في توجيه الأبناء نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، بينما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية إنتاج محتوى مهني موثوق، والإسهام في نشر ثقافة التحقق من المعلومات، وتعزيز الثقة في الفضاء الإعلامي.
واعتبر زنوحي أن «التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة تقنيات التزييف العميق وإنتاج المحتوى الاصطناعي، يفرض تحديات أخلاقية وقانونية جديدة، الأمر الذي يستوجب وضع أطر تنظيمية وتشريعية واضحة، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي بكيفية استخدام هذه التقنيات بصورة مسؤولة وآمنة».
وأوصى الدكتور زنوحي بضرورة إدماج التربية الإعلامية والمعلوماتية ضمن المناهج التعليمية في مختلف الأطوار، وتطوير برامج تكوين لفائدة المعلمين والإعلاميين، ودعم المبادرات الوطنية الخاصة بالتحقق من الأخبار، ونشر ثقافة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتشجيع البحث العلمي في مجالات أخلاقيات الإعلام والتحول الرقمي، كما أكد أن بناء مجتمع رقمي آمن يبدأ ببناء الإنسان وترسيخ منظومة قيمية تجعل من الصدق، والأمانة، والمسؤولية، واحترام الحقيقة مبادئ تحكم جميع الممارسات الرقمية، وعندما تتحول هذه القيم إلى ثقافة مجتمعية راسخة، يصبح الفضاء الرقمي أكثر مصداقية، وتتراجع فرص انتشار التضليل الإعلامي والشائعات، بما يسهم في تعزيز الأمن الفكري، وترسيخ المواطنة الرقمية، ودعم مسارات التنمية المستدامة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.



