تحوّلت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية سكيكدة، خلال العطلة الصيفية، إلى فضاء مفتوح للمعرفة والفن واكتشاف المواهب، من خلال برنامج «صيفنا إبداع» الذي يواصل أسبوعه الثالث، في مبادرة ثقافية تراهن على استثمار العطلة في تنمية قدرات الأطفال واليافعين، وترسيخ علاقتهم بالكتاب والفنون والإبداع.
وجاء البرنامج الذي يعرف تنوّعا في الورشات والأنشطة، ضمن رؤية تجعل من المكتبة مؤسسة ثقافية حاضنة للمواهب، لا تقتصر مهمتها على توفير الكتب وتنشيط المطالعة، وإنما تمتد إلى مرافقة الناشئة في اكتشاف قدراتهم وتطوير مهاراتهم في مجالات متعدّدة.
وأوضح مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية سكيكدة، محمد جابة، أن برنامج «صيفنا إبداع» يندرج ضمن توجّه المؤسسة نحو جعل العطلة الصيفية فرصة حقيقية للتعلم واكتشاف المواهب، مشيرا إلى أن الهدف لا يقتصر على ملء أوقات الفراغ، وإنما يتمثل في منح الأطفال والشباب فضاءات للتعبير والتجريب والإبداع.
وأضاف أن المكتبة تسعى من خلال تنويع الورشات إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الأطفال واليافعين، مع مراعاة اختلاف اهتماماتهم وميولاتهم، موضحاً أن الكتابة والشعر والفنون البصرية والقراءة والأشغال اليدوية تشكّل مداخل مختلفة للوصول إلى الهدف نفسه، وهو تنمية شخصية الطفل وبناء ثقته بقدراته.
وأشار جابة إلى أن المكتبة «تؤمن بأن اكتشاف الموهبة يبدأ بمنح الطفل فرصة المحاولة»، مؤكداً أن الورشات تتيح للمشاركين مساحة للتجربة والتفاعل، بعيداً عن أساليب التلقين التقليدية، بما يساعدهم على تطوير قدراتهم في أجواء ثقافية وتربوية محفزة.
وتتوزّع فعاليات البرنامج بين ورشات الكتابة والفنون والتعبير، حيث يؤطر الكاتب مراد غزال ورشة تعليم الأطفال كتابة القصة، التي تمنح المشاركين فرصة للتعرّف على أساسيات بناء النص القصصي، وتطوير الخيال وتحويل الأفكار إلى حكايات مكتوبة.
كما تستقطب ورشة الأنمي والمانجا الفئة العمرية من 12 إلى 18 سنة، بإشراف الفنان التشكيلي ذربيخ زكرياء، حيث يجد المشاركون مساحة للتعبير البصري واكتشاف تقنيات الرسم وبناء الشخصيات والعوالم الفنية، في نشاط يواكب اهتمامات الجيل الجديد ويحولها إلى فرصة للتعلم والتكوين.
وفي مجال الشعر، يتيح برنامج سلام
«Slam» للإلقاء الشعري، بإشراف الشاعرة أحلام بن دراهم، للمشاركين تجربة مختلفة في الأداء والتعبير، من خلال تدريبهم على الإلقاء والحضور أمام الجمهور والتحكّم في الصوت، بما يعزز الثقة بالنفس والقدرة على التعبير عن الأفكار والمشاعر.
وشمل البرنامج أيضا ورشة القراءة الذكية من تقديم الأستاذ نور الدين مرغمي، إلى جانب ورشات الأشغال اليدوية، لتكتمل بذلك لوحة ثقافية تجمع بين القراءة والتفكير والكتابة والفن والعمل اليدوي.
وفي هذا السياق، أكد مدير المكتبة أن «المكتبة الحديثة مطالبة بأن تكون أقرب إلى الطفل والشاب، وأن تتحوّل من فضاء لاستهلاك الثقافة إلى فضاء لصناعة الثقافة والإبداع»، مبرزاً أن تنظيم مثل هذه الورشات يسمح بإعادة تقديم المكتبة للأجيال الجديدة بصورة أكثر جاذبية وتفاعلاً.
كما شدّد على أهمية استمرارية هذه الأنشطة وعدم حصرها في المناسبات والمواسم، معتبراً أن الاستثمار في المواهب يحتاج إلى مرافقة متواصلة وفضاءات دائمة للتعبير والتكوين.
ويرى القائمون على البرنامج أن هذا التنوّع يتيح اكتشاف مواهب ربما لا تظهر داخل المسار الدراسي التقليدي، خصوصاً عندما يجد الطفل فضاءً يسمح له بالمحاولة والتجريب والتعبير دون خوف من الخطأ.
ومن هذا المنطلق، تتحوّل المكتبة إلى مساحة تجمع بين المعرفة والتكوين والتنشئة الثقافية، وتمنح الطفل فرصة للانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المشارك والمنتج.
ويؤكد برنامج «صيفنا إبداع» بذلك أن المكتبة يمكن أن تكون أكثر من مكان للقراءة، وأنها قادرة على أن تصبح فضاءً لصناعة الموهبة، ورعاية الخيال، وبناء الثقة، وفتح الطريق أمام جيل جديد من المبدعين.






