الخبير بودهان لـ“الشعب“: الدستـور الجزائــري أحكم بنــاء منظومـــة مؤسّساتيــة لمــواجهـة الظاهرة
أطلقت وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، قبل يومين، منصة رقمية جديدة تحمل اسم «تبليغ»، مخصّصة للإبلاغ عن حالات الفساد المحتملة، في إطار الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، لتجسّد خطوة تندرج ضمن مساعي الوقاية من مختلف أشكال ومظاهر وأساليب الفساد، التي قد يواجهها المرتفق خلال تعاملاته مع الإدارة المركزية والمصالح غير الممركزة والمؤسّسات تحت الوصاية، وأوضح المصدر ذاته أنّ المنصة المتاحة عبر الموقع الرسمي للوزارة عبر الرابط: «tabligh.mtess.gov.dz»، تهدف إلى «الوقاية من مختلف أشكال ومظاهر وأساليب الفساد، التي قد يواجهها المرتفق خلال تعاملاته مع الإدارة المركزية والمصالح غير الممركزة والمؤسّسات تحت الوصاية».. وتسهّل عملية التبليغ عن حالات الفساد المحتملة «بطريقة آنية وسريعة ومؤمّنة، مع ضمان حماية المعلومات الشخصية للمبلّغين»، يضيف البيان. وهي خطوة حكومية، من شأنها تعزيز الشفافية والحوكمة ومحاربة كل أشكال الفساد الإداري والمالي.
في السياق، أبرز بودهان التطوّر الذي عرفه مفهوم الفساد، من المرجعيات الدينية والأخلاقية إلى التعريفات القانونية والمؤسساتية الحديثة، مشيرا إلى أن تعدّد المقاربات لا يلغي وجود عناصر مشتركة تتمثل أساسا في الإخلال بالنزاهة والواجبات الرسمية واستغلال السلطة أو النفوذ لتحقيق منافع خاصة.
ويرى بودهان أن الجزائر قطعت أشواطا مهّمة في بناء منظومة مؤسساتية لمواجهة الظاهرة، خاصة بعد دسترة مكافحة الفساد وتعزيز مكانة السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، إلى جانب تطوير دور مجلس المحاسبة ومختلف آليات الرقابة، غير أن هذا التطوّر ـ يقول بودهان ـ يحتاج دائما إلى الاستكمال بمراجعة المنظومة العقابية، وتفعيل أكبر للآليات الوقائية، وتوسيع نطاق التعاون الدولي لاسترداد الأموال والأصول المنهوبة.
ظاهرة تتجاوز التعريف التقليدي
وأوضح البروفيسور موسى بودهان أن مفهوم الفساد شهد تعدّدا كبيرا في التعريفات، نتيجة التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المجتمعات، وهو ما جعله موضوعا دائما للنقاش بين الباحثين والفقهاء والمؤسسات الدولية.
وفي محاولة لتقريب المفهوم، استعرض الخبير أبعاده انطلاقا من المرجعية القرآنية التي تتناول مفهوم «الإفساد في الأرض» بوصفه مفهوما واسعا يشمل مختلف السلوكيات التي تلحق الضرر بالمجتمع ومصالحه، وصولا إلى التعريفات الحديثة التي تركّز على استغلال السلطة أو الوظيفة لتحقيق منفعة خاصة، كما توقف عند تعريفات المؤسسات الدولية، ومن بينها منظمة الشفافية الدولية، إلى جانب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادقت عليها الجزائر، واعتبر أن بعض هذه التعريفات – رغم أهميتها – تحتاج إلى مزيد من الدقة والشمول، خصوصا في ظلّ تطور أشكال الفساد وتداخل القطاعين العام والخاص في العديد من المعاملات الاقتصادية.
وأشار محدثنا إلى أن التشريع الجزائري يميل إلى تعداد الأفعال المجرمة ضمن نصوص قانونية محدّدة، وهو ما يتيح تحديد الأفعال التي تستوجب العقاب، لكنه لا يقدم – في تقديره – مفهوما جامعا مانعا للفساد بكل أبعاده.
من الناحية العلمية، يرى بودهان أن مختلف التعريفات تلتقي عند مجموعة من العناصر الأساسية، وفي مقدمتها انتهاك النزاهة والإخلال بالواجبات وتحويل السلطة أو النفوذ إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية.
الفساد متعدّد الأشكال والوجوه
ويؤكد الخبير بودهان أن خطورة الظاهرة ترتبط بتعدّد صورها، فهي لا تقتصر على الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ، وإنما تشمل الفساد السياسي والإداري والمالي والاقتصادي والانتخابي والأخلاقي والديني والرياضي، فضلا عن صور أخرى أصبحت تفرض نفسها مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية.
وفي قراءته لهذه الأشكال، يثير بودهان نقاشا حول تحديد النوع الأكثر خطورة، مشيرا إلى أن الفساد الإداري والمالي غالبا ما يحظيان بالاهتمام الأكبر بسبب آثارهما المباشرة على المال العام، لكنه يرى أن الفساد الأخلاقي يمثل – في العمق – أرضية خصبة لبقية أشكال الفساد، فحين تتراجع قيم النزاهة والمسؤولية وتضعف الرقابة الذاتية، تصبح القوانين والمؤسسات أكثر عرضة للتحايل والاستغلال، ومن هنا ـ يقول محدثنا ـ فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تعتمد على العقوبة وحدها، وإنما تحتاج إلى بناء ثقافة اجتماعية تضع المصلحة العامة والنزاهة في مقدمة السلوك الفردي والمؤسساتي.
وأوضح بودهان أن الظاهرة تتسع لتشمل الفساد الاجتماعي والبيئي، حيث يعتبر الاعتداء على البيئة وإلحاق الضرر بالموارد الطبيعية والمجال الحيوي للمجتمع شكلا من أشكال الإفساد الذي ينعكس في النهاية على صحة الإنسان وأمنه ومستقبل الأجيال.
أبعاد تمسّ الأمن الوطني
ويذهب بودهان إلى أن بعض مظاهر الفساد يمكن أن تتجاوز الأضرار المالية والإدارية لتلامس المصالح الحيوية للدولة وأمنها الوطني، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتسريب معلومات حساسة أو استغلال النفوذ للوصول إلى معطيات استراتيجية.
ويفرض هذا النوع من الجرائم ـ يقول محدثنا ـ تعاملا قانونيا أكثر دقة، لأن الأضرار الناجمة عنه قد لا تكون قابلة للقياس بالمعايير المالية التقليدية، وإنما تمتد إلى الأمن الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي للدولة، كما أن تطور التكنولوجيا أضاف طبقة جديدة من التعقيد، إذ أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج وثائق أو صور أو تسجيلات مزيفة بدرجات عالية من الإقناع، الأمر الذي يفرض على المشرع تطوير وسائل الإثبات والتحقيق والتجريم لمواجهة الجرائم الرقمية والمظاهر المستحدثة للتزوير والاحتيال.
الذكاء الاصطناعي.. جبهة جديدة
وفي السياق، حذّر بودهان من أن شبكات الفساد يمكن أن تستغل التطوّر التكنولوجي لتطوير أساليبها، سواء من خلال التزوير الرقمي أو التلاعب بالوثائق أو انتحال الهوية أو إنتاج محتويات مضللة، وأشار إلى مظاهر أخرى تقليدية للفساد، مثل المحسوبية واستغلال النفوذ والنصب والاحتيال وغسل الأموال، إضافة إلى التسيب الإداري والبيروقراطية وضعف الرقابة والمحاباة، التي تؤدي إلى إهدار مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، ويرى أن مواجهة هذه الجرائم تستوجب تحديث التشريعات باستمرار، لأن القانون الذي يعالج وسائل ارتكاب الجريمة في مرحلة معينة قد يصبح أقل قدرة على مواجهتها عندما تتغيّر الأدوات والتقنيات.
وحذّر بودهان من الآثار الممتدة للفساد، مؤكدا أنه لا يمثل مجرد خسارة مالية للخزينة العمومية، وإنما ظاهرة تؤثر في مختلف مستويات الحياة العامة، فعلى الصعيد الاقتصادي، يؤدي الفساد إلى إعاقة الاستثمار والتنمية وتشويه المنافسة والتأثير في الأسعار والإيرادات العامة، كما يضعف ثقة المستثمرين في البيئة الاقتصادية ويزيد تكلفة المعاملات.
أما سياسيا، فإنه يضرب مبدأ سيادة القانون ويضعف الثقة في المؤسسات ويؤثر في شرعية الدولة، بينما يؤدي اجتماعيا إلى تآكل قيم العمل والاستحقاق والمساواة، ويشجّع على انتشار ثقافة المحاباة وتحقيق المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة.
ومن هنا، فإن مكافحة الفساد، في نظر بودهان، ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها جزءا من حماية الدولة ومقوماتها، وليست مجرد سياسة جزائية منفصلة عن الإصلاح الإداري والاقتصادي والمؤسساتي.
دسترة مكافحة الفساد.. تحوّل مؤسساتي
وفي استعراضه للمسار الجزائري، يرى البروفيسور بودهان أن الدستور الحالي أحدث تحوّلا مهمّا في مجال مكافحة الفساد، من خلال الارتقاء بالموضوع إلى مستوى دستوري وتعزيز مكانة المؤسسات المكلفة بالشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، وأشار إلى أن هذا المسار يبدأ من ديباجة الدستور التي تؤكد التزام الجزائر بالاتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة بمكافحة الفساد، ويتعزّز من خلال مجموعة من الأحكام الدستورية المرتبطة بالشفافية وحماية المال العام والرقابة.
ويعتبر بودهان أن إنشاء السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته يمثل تطورا مؤسساتيا مهمّا مقارنة بالهيئات السابقة، خصوصا مع توسيع الاختصاصات الرقابية ومنح المؤسسة مكانة دستورية أكثر وضوحا، كما أبرز دور مجلس المحاسبة وبقية الآليات الرقابية في ترسيخ منظومة متعدّدة المستويات، تسمح بتوزيع مهام الوقاية والكشف والمتابعة بين أكثر من مؤسسة.
بالنسبة إلى بودهان، فإن قيمة هذا التحوّل لا تكمن في مجرد إضافة مؤسسة جديدة، وإنما في الانتقال من معالجة الفساد باعتباره ملفا إداريا أو جزائيا إلى اعتباره قضية ترتبط بالحكامة والشفافية وحماية المال العام.
تشديد العقوبات.. ضرورة قانونية
ويرى الخبير أن نجاح المنظومة الرقابية يحتاج إلى ركن آخر يتمثل في قوة العقوبة وفعاليتها، فالعبرة ـ يقول محدثنا – ليست بكثرة النصوص القانونية، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق الردع وحماية المجتمع والمال العام، ولهذا دعا إلى مراجعة قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، خصوصا الأحكام المتعلقة بالتجريم والعقوبات، بما يجعل الجزاء أكثر تناسبا مع جسامة الجريمة والأضرار الناتجة عنها.
ويؤكد محدثنا أن الجرائم التي تتسبب في خسائر ضخمة للخزينة أو تؤدي إلى تهريب أموال وأصول كبيرة لا يمكن التعامل معها بمنطق عقابي لا يعكس حجم الضرر، كما شدّد على ضرورة التمييز بين العقوبة الرادعة والضمانات القانونية للمتهمين؛ لأن قوة مكافحة الفساد لا تعني التخلي عن مبادئ المحاكمة العادلة، وإنما تعني بناء منظومة متوازنة تجمع بين الوقاية والتحقيق والمحاكمة والعقوبة واسترداد الأموال.
استرداد الأموال.. معركة متواصلة
وتشكّل الأموال والأصول المهرّبة إلى الخارج أحد أكثر الملفات تعقيدا في مكافحة الفساد؛ لأن استردادها يتطلّب تعاونا قضائيا وإداريا بين الدول.
وفي هذا الإطار، أشاد بودهان بالجهود الجزائرية في استرداد الأموال والأصول، معتبرا أن التعاون الدولي يمثل ركنا أساسيا في هذا المسار، كما انتقد ما وصفه بـ»التأخر في تنفيذ بعض الإنابات القضائية الجزائرية من جانب دول أجنبية»، مشيرا إلى أن فعّالية مكافحة الفساد تفقد جزءا كبيرا من أثرها إذا تمكّن مرتكبو الجرائم من نقل الأموال إلى الخارج من الاستفادة من تعقيدات الإجراءات الدولية. ومن هنا، دعا بودهان إلى تعزيز آليات التعاون القضائي الدولي، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية ومتعدّدة الأطراف، بما يسمح بتسريع تنفيذ الإنابات وتتبّع الأموال وتجميدها واستردادها وفق الأطر القانونية المعمول بها.
حماية المبلّغين.. أساسي
ويرى الخبير بودهان أن حماية الأشخاص الذين يبلّغون عن جرائم الفساد تمثل حلقة أساسية في المنظومة الوقائية؛ لأن كثيرا من الجرائم لا يمكن كشفها بالرقابة التقليدية وحدها، ودعا ـ في هذا السياق ـ إلى إصدار إطار قانوني أكثر تكاملا يضمن حماية فعلية للمبلّغين، ويوفّر لهم ضمانات تحول دون تعرضهم للانتقام أو التضييق بسبب كشفهم عن ممارسات غير قانونية، وفي الوقت نفسه، شدّد على ضرورة التمييز بين التبليغ حسن النية والوشاية الكاذبة، حتى لا تتحوّل آليات التبليغ إلى وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية أو الإضرار بالآخرين، كما دعا إلى تعزيز الدور الرقابي للبرلمان عبر أدواته الدستورية، بما يسمح بمتابعة أداء الحكومة ومساءلة المسؤولين ومراقبة تنفيذ السياسات العامة المرتبطة بحماية المال العام.
إصلاح شامل وتعبئة وطنية
شدّد البروفيسور موسى بودهان ـ في ختام قراءته ـ على أن مكافحة الفساد لا يمكن اختزالها في النصوص القانونية أو المؤسسات الرقابية وحدها، مهما بلغت قوتها، فالمعركة – في تقديره – تحتاج إلى تعبئة وطنية واسعة تشمل البرلمان والحكومة والقضاء والمؤسسات الرقابية والمجتمع المدني والإعلام والمؤسسات التربوية والدينية والأسرة؛ لأن ترسيخ النزاهة يبدأ من بناء ثقافة عامة ترفض الفساد قبل الوصول إلى مرحلة العقوبة، ودعا إلى تفعيل الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين، مع توجيه البحث العلمي نحو دراسة أشكال الفساد الجديدة وتطوير أدوات الكشف والوقاية منها.
وتفرض التحوّلات الاقتصادية والتكنولوجية، وفق هذه الرؤية، مراجعة مستمرة للنصوص القانونية حتى تظلّ قادرة على التعامل مع الجرائم المستحدثة، خصوصا تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وغسل الأموال والجرائم الرقمية.
في المحصّلة، يضع بودهان مكافحة الفساد ضمن معادلة عنوانها الإصلاح المؤسسي والأخلاقي والقانوني، ما رافع الرئيس تبون لصالحه دائما من خلال «أخلقة الحياة السياسية والعامة»، علما أن الدستور يوفّر الإطار، والمؤسسات الرقابية تؤدي وظيفة الكشف والوقاية، والقضاء يطبق القانون، والعقوبة تحقّق الردع، بينما تضمن الرقابة المجتمعية والإعلامية استمرار الضغط من أجل الشفافية، وبذلك، فإن المعركة ضد الفساد تبدأ من المنظومة التي تجعل النزاهة قاعدة مستقرة في الإدارة والمجتمع، وتجعل استغلال السلطة استثناء مكلفا وسريع الانكشاف، وكما يلخّص الخبير رؤيته، فإن الإصلاح هو الأصل والقاعدة الراسخة، والفساد استثناء شاذ لا يمكن السماح له بأن يتحوّل إلى قاعدة.


