تفرض التحولات المناخية التي تشهدها المنطقة اهتماما متزايدا بالحفاظ على الموارد المائية وحسن إدارتها، في ظل تعاقب فترات الحرارة والجفاف والتساقطات الغزيرة، وما يرافقها من تأثيرات على السكان والزراعة والأنظمة البيئية.
ويبرز، في هذا السياق، أن فهم الظواهر المناخية ومتابعة تطورها يمثلان ركيزة أساسية لتعزيز الاستعداد لها، لاسيما أن الأمطار الغزيرة المسجلة خلال فترات قصيرة قد لا تنعكس بالضرورة على حجم الموارد المائية المتاحة، إذ يمكن أن تتدفق كميات معتبرة منها على سطح الأرض، فتتسبب في ارتفاع منسوب الأودية والفيضانات، بينما تستفيد التربة والمياه الجوفية من جزء محدود منها.
وتبرز أهمية الاستباق في حماية المياه والغطاء النباتي والأحواض المائية، بما يسمح بتحويل الفترات المطيرة إلى فرصة لدعم الموارد المائية وتعزيز المخزون، والاستعداد في المقابل لفترات الندرة والجفاف.
إن الظواهر المناخية، من موجات الحر والجفاف إلى الأمطار الغزيرة والفيضانات وحرائق الغابات، تندرج ضمن الديناميكية الطبيعية للمناخ، فيما يستدعي ارتفاع شدة بعض هذه الظواهر أو تواترها اهتماما أكبر بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على السكان والموارد المائية والزراعة والأنظمة البيئية.
ولا شكّ أن الأرقام القياسية المسجلة مؤخرا في درجات الحرارة، سواء في الجزائر أو في مناطق أخرى، تشكل مؤشرات تستحق الدراسة والمتابعة، باعتبارها معطيات تساعد على تعميق فهم التحولات التي تعرفها المنظومة المناخية، وتحديد مختلف العوامل المؤثرة فيها.
وفيما يتعلق بمسار الطقس خلال الخريف، يجب التوضيح بأن تحديد اتجاهاته في وقت مبكر يظل مرتبطا بتطور المعطيات الجوية، مع أهمية متابعة وضعية البحر الأبيض المتوسط الذي سجل درجات حرارة مرتفعة خلال الصيف. وقد يؤدي وصول كتل هوائية أبرد خلال الخريف، بفعل التباين الحراري، إلى تشكل أنظمة عاصفة نشطة وتساقط كميات معتبرة من الأمطار في بعض الوضعيات الجوية، كما أشار إلى ظاهرة «إل نينيو» التي توجد في طور التطور، موضحا أن تأثيرها على الجزائر يمر عبر الدورانات الجوية الكبرى والروابط المناخية بعيدة المدى، ما يجعلها عاملا إضافيا يستحق المتابعة ضمن جملة المؤشرات المناخية المؤثرة في تطور التساقطات ودرجات الحرارة.
بين الوفرة المؤقتة والحاجة إلى التخزين
ويكتسي موضوع المياه أهمية خاصة في ظل إمكانية تعاقب فترات الجفاف مع فترات تشهد تساقطات غزيرة، حيث تمثل كيفية الاستفادة من الأمطار وتخزينها والحفاظ عليها عاملا أساسيا في دعم الموارد المائية؛ فالمياه المتساقطة بعد فترات طويلة من الجفاف قد تجري بسرعة على سطح الأرض، وترفع منسوب الأودية، كما قد تتسبب في الفيضانات، في وقت تحتاج فيه التربة والمياه الجوفية إلى ظروف ملائمة لاستقبال كميات أكبر منها.
ويطرح هذا الوضع أهمية تعزيز منشآت تخزين المياه، وحماية الأحواض المائية، وتحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، بما يسمح بالاستفادة من الفترات المطيرة وتوظيفها في دعم المخزون المائي.
حماية الغطاء النباتي.. استثمار في المياه
ويمثل الغطاء النباتي والغابات عنصرا أساسيا في الحفاظ على التربة والمياه، إذ تسهم المساحات الغابية في الحد من انجراف التربة وتعزيز قدرتها على الاحتفاظ بالمياه وتسريبها تدريجيا إلى باطن الأرض.
وتؤثر حرائق الغابات في هذه الوظائف البيئية، من خلال إتلاف الغطاء النباتي وتعريض التربة للتعرية والانجراف، الأمر الذي يجعل حماية الغابات والأحواض المائية والحفاظ على الغطاء النباتي جزءا من سياسة متكاملة للحفاظ على الموارد المائية وتعزيز القدرة على مواجهة مختلف الظروف المناخية.
من مواجهة الظواهر إلى الاستعداد لها
ويتطلب التعامل مع موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والحرائق مقاربة تقوم على فهم العلاقات القائمة بينها، وتحسين القدرة على توقعها والاستعداد لآثارها.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وحماية الأحواض المائية، والحد من ضياع المياه في الشبكات، والحفاظ على المياه الجوفية، وتحسين أساليب الري، إلى جانب تعزيز وسائل الوقاية من الحرائق والفيضانات.
وتسمح هذه الإجراءات برفع مستوى الجاهزية والتقليل من آثار الظواهر المناخية، مع تعزيز القدرة على استغلال الموارد المائية خلال الفترات المطيرة والحفاظ عليها خلال فترات الندرة.
المعرفة.. أساس التكيف مع المناخ
وتشكل المعرفة العلمية قاعدة أساسية للتكيف مع التحولات المناخية، من خلال متابعة المؤشرات الجوية والمائية وفهم مساراتها والاستعداد لمختلف الاحتمالات، سواء تعلق الأمر بفترات الجفاف أو بالتساقطات الغزيرة.
ويتيح هذا النهج الانتقال من متابعة الظواهر المناخية إلى بناء سياسات أكثر استباقية في مجال إدارة الموارد وحماية السكان والأنظمة البيئية، بما يعزز الجاهزية ويحسن استغلال المياه ويرسخ ثقافة التكيف مع مختلف التحولات المناخية.



