أول مقارباتي النقدية نشرت في السبعينيات بجريدة «الشعب»
الدهشة الأولى أمام القصيدة لا ينبغي تضييعها بالصرامة المنهجية
الشعر النسوي الجزائري رافد أصيل في مساءلة قضايا الإنسان
يمثّل تتويج الأستاذ الدكتور عبد القادر فيدوح بجائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، فرع نقد الشعر، عن مؤلفه «الشعر وأسئلة الحضارة»، اعترافا عربيا رفيعا بمكانة النقد الجزائري، وتتويجا مستحقّا لمسار أكاديمي رصين كرّس عقودا من البحث لمساءلة النصوص الأدبية وتفكيك شفراتها الجمالية والفلسفية، ويُكرس الفوز بالجائزة الأثيرة الحضور البارز للدكتور فيدوح، القامة النقدية المؤسسة في المشهد الفكري العربي، بالنظر إلى أطروحاته التي تُلهم أجيالاً من الباحثين، وتفتح مسارات متقدّمة لقراءة التجربة الشعرية في سياقها الحضاري والإنساني الشامل.. في هذا الحوار المستفيض، يضيء الدكتور فيدوح محطات تشكّل وعيه الجمالي وتجربته التأسيسية، ويسافر بنا إلى عوالم من جمال..
– «الشعب»: نهنئكم بجائزة البابطين أولا، ثم نسألكم.. كيف تشكّلت علاقتكم الأولى بالشعر، قبل أن تخوضوا غمار التدريس الأكاديمي والتنظير النقدي؟
عبد القادر فيدوح: شكرا لجميل عنايتكم.. سأقول إن هذه العلاقة تشكّلت بعفوية مطلقة، بعيدا عن أي حسابات أكاديمية لم تكن قد ولدت بعد في ذهني.. أذكر أن الشعر دخل حياتي أولا عبر الأذن قبل العين، من خلال ما كان يُتلى ويُنشد في الندوات والمناسبات الشفهية، قبل أن أنتقّل إلى قراءته على الورق واكتشاف أنه عالم أعمق بكثير مما كنت أتخيّل. لم يكن اقترابي الأول منه اقترابا نقديا يسائل ويحلل، بل كان اقترابا انفعاليا صرفا، ودقّة دهشة أمام قدرة اللغة على تكثيف التجربة الإنسانية؛ أصغي إلى بيت شعري فأشعر أنه يقول شيئا كنت أحمله بداخلي دون أن أجد له لغة. تلك اللحظات المبكرة من الدهشة الخالصة هي ما زرع في بذرة العلاقة الأولى مع الشعر، قبل أن تتحوّل لاحقا، مع الدراسة والقراءة المنهجية، إلى علاقة معرفية ونقدية أكثر تعقيدا ونضجا.
أما عن الأثر الحاسم، فلا أستطيع أن أختزله في نص واحد أو شاعر واحد بعينه، لأن هذه العلاقة تراكمت عبر قراءات متعدّدة ومتلاحقة، شعر قديم وحديث، حتى تشكّل لدي تدريجيا ذلك الحس الذي جعلني أرى في الشعر أفقا للتفكير في الوجود، لا مجرد نصّ جمالي يستمتع به عابرا.. وأذكر – في هذا المقام – أن أولى المقاربات النقدية التي كرّستها للشعر كانت حول تجربة الشاعر الجزائري أحمد حمدي، وذلك خلال سبعينيات القرن الماضي، وأنا طالب، حيث نشرت حينها في جريدة «الشعب»، وإن كانت تفاصيل تاريخ نشرها قد غابت عن ذاكرة التوثيق.
– بين ذلك الشاب المكتشف للقصيدة والناقد المتوّج اليوم؛ ما الذي تغيّر في رؤية عبد القادر فيدوح للنص الأدبي؟
ما تغيّر بشكل جوهري هو طبيعة العلاقة بالنص نفسه، ذلك الشاب كان يقرأ الشعر بانفعال عفوي، يبحث فيه عن انعكاس لذاته ولمشاعره الخاصة، بينما الناقد الذي أصبحته اليوم يقرأ النص بوصفه نظاما دلاليا معقدا، يستحق مساءلة عميقة تتجاوز اللذة الجمالية الأولى إلى فهم آليات اشتغاله وعلاقته بالوعي والحضارة، لكن رغم هذا التحوّل المنهجي، أحرص دائما على ألا يقتل النقد فيّ تلك الدهشة الأولى، فحين أفقد القدرة على الانفعال بالنص قبل تحليله، أكون قد فقدت جوهر العلاقة نفسها.
من هذا المنطلق، لم تكن محاولاتي النقدية محض تراكم مسفار، ولا مجرد رصد توثيقي عابر، بل تشكّلت بوصفها مسارا معرفيا تحوليا ومحطات فارقة في النقد العربي المعاصر، فقد انطلقت هذه التجربة منذ أول مؤلف صغته عام 1984، لتتأصّل بعدها في رؤى أكثر عمقا مع كتاب «الاتجاه النفسي في الشعر» عام 1988؛ حيث كان الخوض في أغوار السيكولوجيا الشعرية وتجلياتها الرؤيوية من باب السبق النقدي. ثم تتوجّت المسيرة بما أجمع النقاد على عدّه نقطة تحوّل، ونشاطا سبقيا في الميدان؛ إذ شرفت فيه بتقديم أول قراءة تطبيقية تتناول تحليل النص الشعري الجزائري بالمنهج السيميائي في التسعينيات من القرن الماضي، أتاحت للدرس النقدي فتح أفق جديد لقراءة النص وعلاماته المنسوجة بكثافة، فكان أول كتاب في النقد المعاصر بعنوان «دلائلية النص الأدبي دراسة سيميائية»، وصولا إلى أحدث مؤلف صدر لي هذا العام 2026، الموسوم بـ»مهاد الرؤيا و غواية التأويل وانفلات الدال»، والذي تعمّقت فيه حول مرونة المعنى، وتمنّع الدال، وانفتاحه الشاهق على أبعاد التأويل، حيث يتقدمّ هذا الطرحُ خطوة فارقة على الثنائية النقدية السائدة التي اختزلت منبع الإبداع في العلاقة المباشرة بين الدال والمدلول، وهي النظرية التي يأتي هذا الكتاب ليفنّدها، مبرهنا على أن السر الإبداعي يكمن في مراوغة الدال وانفلاته المستمر من أسر التحديد المغلق؛ في حين أن «مهاد الرؤيا» هو الركيزة الوجودية والمنطلق الفلسفي والفكري الذي تتشكّل عليه تجربة المبدع قبل صياغتها، ليعبّر عن عمق إدراك الشاعر للكون، والوجود، والمعنى. ومع كل مغامرة نقدية، تحوّل إحساسي بالمسؤولية؛ فذاك الشاب «عبد القادر» كان يقرأ لنفسه، بينما هو اليوم يكتب بوعي ناقد تسهم كلمته في تشكيل وعي القارئ والباحث.
– ماذا يعني لكم التتويج بجائزة البابطين، وهي إحدى أهم الجوائز العربية المخصّصة للشعر والنقد؟
هو اعتراف يليق بمقام هذه الجائزة العريقة التي رسّخت اسمها كأحد أهم الفضاءات العربية الراعية للشعر والنقد معا، يمنحني هذا التتويج إحساسا عميقا بأن الاشتغال الطويل، الصامت أحيانا، على أسئلة الشعر وعلاقته بالحضارة لم يذهب هباءً، بل وجد صدى لدى مؤسسة نذرت نفسها لخدمة الكلمة الشعرية العربية وحمايتها من التهميش، فحين يتوّج بجائزة البابطين كتاب اشتغلت عليه سنوات طويلة، بين قراءة متأنية وتأمّل وصياغة وإعادة صياغة، أشعر أن هذا الجهد الذي بذلته بعيدا عن الأضواء وجد أخيرا من يقدّره في محفل عربي واسع النطاق.. هذا الشعور لا يقتصر على الفرح الشخصي، بل يتجاوزه إلى إحساس بالامتنان العميق تجاه كل من آمن بأن النقد الجاد، رغم صعوبته وقلة جمهوره أحيانا، يستحق أن يحتفى به كما يُحتفى بالإبداع نفسه.. إن جائزة البابطين ليست جائزة عابرة تمنح وتنسى، بل هي مؤسسة عريقة راكمت على مدى عقود سمعة رصينة في احتضان الفكر، ووضعت معايير صارمة لا تجامل فيها أحدا، والتتويج بها يمثل محطة استثنائية تؤكد قيمة البحث النقد الأكاديمي الحقيقي.
– ماذا يمثّل فوز كتابكم «الشعر وأسئلة الحضارة» تحديدا؟ وما أهمّ القضايا التي سعى لمعالجتها؟
يمثل هذا الفوز تتويجا لمشروع نقدي طموح حاولت من خلاله أن أعيد طرح سؤال قديم بصيغة معاصرة: كيف تتقاطع الرؤية الشعرية مع مصير الحضارة ومآلاتها؟ لم أرد أن أكتب كتابا تقليديا يرصد تاريخ الشعر أو يصنّف مدارسه، بل أردت أن أخضع الشعر لمساءلة حضارية عميقة، الكتاب يمثل محاولة جادة لإعادة النظر في العلاقة الجوهرية بين الشعر والحضارة، انطلاقا من سؤال مركزي: هل يظلّ الشعر قادرا على أن يكون ضمير الحضارة ووعيها الكاشف، أو أن هيمنة النزعة المادية أفقدته هذا الدور التاريخي؟
ويتوزع الكتاب على محاور ومتشابكة: أزمة الوعي الحضاري وانعكاسها المباشر على الرؤية الشعرية، ويتساءل عن مفهوم العلامة الشعرية المتحوّلة وتحولات المعنى عبر العصور، وأسرار المضمر واللغة الصامتة التي تتوارى خلف الكلام الظاهر وغالبًا ما تقول أكثر مما يظهره الكلام الصريح، كما يقف عند أزمة الهوية في زمن الاغتراب والتشظي الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي المعاصر، فضلا عن البعد الروحي والصوفي في التجربة الشعرية، بوصفه أفقا للتجلي والكشف، يتجاوز به الشعر حدود الواقع المادي الضيق نحو معنى أرحب وأعمق.
– ما الذي دفعكم إلى الاشتغال البحثي على هذه المساحة التقاطعية بين الظاهرة الشعرية والمفهوم الحضاري؟
دفعني إليها اقتناع راسخ تكوّن لدي تدريجيا عبر سنوات طويلة من القراءة والتدريس والاحتكاك بالنصوص الشعرية القديمة والحديثة على حدّ سواء، مفاده أن الحضارات لا تبنى بالحجر والإسمنت والأرقام الاقتصادية الجافة وحدهما، بل بالمجاز والرؤيا التي تمنح الوجود الإنساني اتساعه ومعناه، ولاحظت أن الشعر، من بين كل الفنون الإنسانية، هو الأقدر على التقاط هذا الوعي في لحظاته الهشّة والمضطربة، حين تتصدّع اليقينيات الكبرى وتحتاج الإنسانية إلى من يعبّر عن قلقها بصدق؛ فكل أزمة حضارية، في تقديري، هي في جوهرها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة مادية، والشعر أحد أعمق تجليات هذا الوعي وأصدقها تعبيرا عن اضطراب الإنسان وتطلّعه معا، لذلك رأيت أن دراسة هذه العلاقة بين الشعر والحضارة ليست ترفا أكاديميا معزولا عن الواقع، بل هي ضرورة ملحّة لفهم أزماتنا الحضارية الراهنة وأسئلتها المعلقة التي لم تجد بعد إجابات شافية في المناهج المادية الصرفة.
– هل فسح الكتاب مساحة للقراءة النقدية في المنجز الشعري للشاعرات الجزائريات؟
نعم، وبوفرة حقيقية، لم يكن من الممكن أن أكتب عن الشعر وأسئلة الحضارة دون أن أفسح مجالا واسعا للصوت النسوي في التجربة الشعرية الجزائرية والعربية عموما، فالكتابة النسائية اليوم لم تعد هامشا يذكر عرضا، بل أصبحت رافدا أساسيا يطرح أسئلة الذات والهوية والانتماء والاغتراب بجرأة وعمق لا يقلان عن نظيرهما الرجالي، بل ربما يتجاوزانه في بعض المقامات، خاصة حين يتعلّق الأمر بمساءلة الجسد والصمت والمضمر، وهي قضايا كانت المرأة الشاعرة أقرب إلى معايشتها من الداخل، غير أنني أفضل، في هذا الحوار تحديدا، ألا أذكر أسماء بعينها، ليس تقليلا من شأنها أبدا، بل حرصا على ألا يبدو الأمر انتقائيا أو مجتزأ من سياقه النقدي الكامل الذي تناولته في الكتاب، فالتجربة التي درستها هناك، بتفاصيلها ونماذجها الشعرية، تستحق أن تقرأ كاملة داخل بنيتها النظرية لا أن تختزل في اسم أو بيت شعري يقتطع من سياقه، لذلك أدعو كل من يهمّه الأمر، وخاصة الباحثين والباحثات المهتمين بالشعر النسوي الجزائري، إلى الاطلاع على الكتاب مباشرة، فسيجدون فيه معالجة نقدية مفصّلة تفي هذا الحضور النسوي حقّه من التحليل والتقدير.
– كيف تقيّمون واقع النقد الشعري العربي اليوم، ومدى قدرته على مواكبة التحوّلات القصيدية؟
أرى فيه اجتهادا حقيقيا وحيوية ملحوظة لا يمكن إنكارها؛ ثمّة أصوات نقدية شابة جريئة بخاصة منها الجزائرية، بحكم أن الكتاب في معظمه يتناول الشعر الجزائري المعاصر تحاول أن تفتح أفقا جديدا للقراءة ومواكبة تحوّلات القصيدة المعاصرة، لكنني في الوقت نفسه ألاحظ أن هذا النقد ما يزال في كثير من الأحيان يجري خلف القصيدة بدل أن يستشرف تحولاتها ويسبقها أو يواكبها بالسرعة نفسها، إذ يتأخر أحيانا عن جرأة التجريب الشعري.
القصيدة العربية المعاصرة تجرّب وتكسر الأشكال المألوفة بجرأة لافتة، بينما تبقى بعض الأدوات النقدية السائدة حبيسة مناهج تقليدية ورثناها دون كثير من المراجعة، لا تستوعب بالقدر الكافي ظواهر مستجدة كالعلامة الشعرية المتحوّلة، والمضمر اللغوي الذي يفلت من أدوات التحليل التقليدية، وتعدّد القراءات التأويلية. ثمّة حاجة ملحة لأدوات نقدية أكثر انفتاحا وتعدّدية منهجية، تصغي للنص من الداخل وتواكب التجريب بدلا من إسقاط أحكام جاهزة عليه من مسافة آمنة.
– تقاسمتم الجائزة مع الناقد التونسي د. محمد صالح البوعمراني، كيف تنظرون إلى هذا التقاسم؟
يسعدني هذا التقاسم أيّما سعادة، ولا أراه بأي حال انتقاصا من قيمة التتويج، بل على العكس تماما، أراه إثراء حقيقيا له، فالنقد العربي، في تقديري، مشروع جماعي تراكمي لا يبنى بجهد فرد واحد مهما بلغ اجتهاده، بل بتضافر أصوات متعدّدة من مشارب فكرية ومناطق جغرافية مختلفة،
وتقاسم الجائزة مع ناقد تونسي جاد ورصين مثل الدكتور البوعمراني يؤكد أن هذا المشروع النقدي العربي متعدّد الأصوات والاتجاهات، وأن لجنة الجائزة بحكمتها اختارت أن تحتفي بتنوّع الاجتهاد النقدي وثرائه بدل أن تختزله في اسم واحد أو مدرسة نقدية بعينها، وهذا في حدّ ذاته يعكس نضجا حقيقيا ورسالة مهمّة للباحثين الشباب بأن المشهد النقدي يتسّع لكافة الطاقات الجادة.
– بعيدا عن القيمة المادية، ماذا تحمل لكم الجائزة من أبعاد معنوية؟
تمثل لي اعترافا معنويا أثمن بكثير من أي قيمة مادية مهما علت، إنها رسالة واضحة مفادها أن السؤال النقدي الجاد، حتى وإن بدا في ظاهره بعيدا عن صخب المشهد الإعلامي وأضوائه العابرة، يظل له من يصغي إليه بعمق ويقدّره حقّ قدره ويظل حيّا ومطلوبا ومنصتا له من قبل من يقدّرون قيمة الفكر النقدي الرصين، وهي في الوقت نفسه مسؤولية إضافية تلقى على عاتقي تجاه القارئ والباحث معا، تدفعني لمواصلة العمل بجدية أكبر، ولأن أكون أكثر حرصا على أن يظلّ ما أكتبه لاحقا في مستوى هذه الثقة التي منحتني إياها لجنة محترمة كهذه.
– ما هي المشاريع أو الإصدارات النقدية التي تعملون عليها في المرحلة القادمة؟
نعم، هناك أكثر من مشروع أعمل عليه حاليا في إطار مواصلة بناء مشروعي النقدي. أواصل تعميق الاشتغال على قضية العلامة الشعرية المتحوّلة التي طرحتها في هذا الكتاب، لأنني أرى أنها ما تزال تحتمل الكثير من البحث والتفصيل، كما أعمل على دراسة أوسع حول البعد الصوفي والروحي في الشعر الجزائري، باعتباره أفقا لم يستكشف بعد بالقدر الكافي في النقد الأكاديمي.
وإلى جانب ذلك، أفكر جديا في دراسة جديدة تتناول أزمة الهوية الشعرية بين الاغتراب والتجلي، في ضوء التحولات الثقافية المتسارعة، فضلا عن ذلك، أواصل بناء مشروعي النقدي في قراءة المنجز الشعري الجزائري منذ عصر النهضة، وقد قطعت فيه أشواطا أولى، فأنجزت بعض لبناته، ونشرت بعضها، فيما تتجّه دراسات أخرى إلى النشر قبيل احتفالية صالون الكتاب الدولي.







