يعتبر الديوان الجديد للشاعر إبراهيم قارعلي، الموسوم بـ «أمّي فوق الشّجرة»، إصدارا يتعدى حدود الحروف، ليحمل في طياته ذاكرة وحنينًا ووفاءً، حيث تتقاطع من خلال قصائده الـ 24 مشاعر الفقد والحنين مع استعادة ذكريات الطفولة والعلاقات الإنسانية، في تجربة شعرية يحاول من خلالها الشاعر أن يمنح للغائبين حضورًا آخر بين الكلمات، وأن يجعل من القصيدة مساحة لمقاومة النسيان.
يحمل عنوان الديوان «أمي فوق الشجرة» دلالة وجدانية عميقة، إذ يبرز حضور الأم، رغم غيابها، في ذاكرة الشاعر ووجدانه، فيما يبدو الشعر وسيلة لاستعادة هذا الحضور ومواجهة ألم الفقد. كما أن الشجرة في العنوان ليست مجرد صورة شعرية، وإنما فضاء تتقاطع فيه ذاكرة الأم مع الطفولة والسكينة والحنين.
ويبدو للمتصفّح لهذا الديوان أن تجربة الكتابة فيه لم تقتصر على رثاء الأم، وإن كانت حاضرة بقوة في خلفية معظم القصائد، وإنما اتسعت لتشمل الأبناء والأصدقاء ورفاق الدرب، إلى جانب مناسبات عائلية وإنسانية مختلفة.
وتبرز في الديوان أيضًا قصائد ولدت من لحظات الفرح، مثل أعياد الميلاد والأعراس، غير أن هذه المناسبات تستدعي بدورها صورة الأم الغائبة، بما يجعل الفرح العائلي في كثير من الأحيان بابًا آخر لاستعادة الذاكرة واستحضار من غابوا عن المشهد وبقي أثرهم راسخًا في الوجدان.
وتتجلى العلاقة بين الذكرى والفقد في قصيدة «ذكراك عادت»، التي تعبّر عن وجع لا يغادر، حيث تصبح عودة الذكريات استحضارًا للألم بقدر ما هي استحضار للماضي، لتتحول القصيدة إلى مساحة للبوح ومحاولة لاستعادة الحنان الذي لا يمكن أن يعوضه شيء، ولو بالكلمات.
ويضم الديوان، إلى جانب قصائد الأم والذكريات، نصوصًا في الرثاء والوفاء، من بينها «حسدوك في قبر»، و»صبرا آل ملاحي»، و»لله ما أعطى سليمان»، و»صبرا كمال»، و»يبكيك أوراس فطوم»، وغيرها من النصوص التي تعكس رغبة الشاعر في جعل الشعر ذاكرة تحفظ أثر الذين مروا في حياته، وتخلد حضورهم من خلال الكلمة.
وبخصوص اختياره القصيدة العمودية، فقد اعتبر الدكتور علي ملاحي، في شهادة موثقة له على غلاف الديوان، أن هذا الاختيار واع ونابع من إيمان الشاعر بقدرة الإيقاع الخليلي على احتضان مختلف التجارب الإنسانية، مؤكدا أن القصيدة العمودية لا تزال قادرة على التعبير عن مشاعر الإنسان المعاصر، متى امتلك الشاعر أدواتها وأخلص لتجربته.
من جهته، يشير الشاعر سليمان جوادي، في شهادة أخرى واردة على غلاف الديوان، إلى أن الشعر رافق إبراهيم قارعلي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأن ابتعاده عنه لفترة لم يكن يعني انطفاء جذوته، قبل أن يعود خلال السنوات الأخيرة إلى الواجهة من خلال سلسلة من الإصدارات الشعرية، من بينها «ألفية الجزائر» و»أبي تحت الشجرة»، وصولا إلى «أمي فوق الشجرة».
ومن المرتقب أن يشكّل حضور الديوان في صالون الجزائر الدولي للكتاب لهذا العام فرصة للقاء القارئ ومشاركته تجربة شخصية تحولت، عبر الشعر، إلى مساحة إنسانية أوسع، بما يؤكد أن الذين نحبهم قد يغيبون عن الحياة، لكنهم لا يغيبون عن الذاكرة، وأن القصيدة تستطيع أن تمنحهم حياة أخرى بين الكلمات، وتقاوم بذلك قسوة النسيان.







