تفعيل الشباك الوحيد لتوفير ظروف تجسيد المشاريع النوعية
يرى الباحث في قانون الأعمال مدير دعم التكنولوجيا والابتكار بالمركز الجامعي إيليزي، الدكتور بن سالم أحمد عبد الرحمان، أن القرارات والتوجيهات المنبثقة عن اجتماع العمل الذي ترأسه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، حول قطاع الاستثمار وتفعيل الشباك الوحيد، تندرج ضمن التزاماته 54 (التزام رقم 16-17)، ضمن مسار متواصل لإعادة بناء بيئة استثمارية وطنية أكثر نجاعة ومرونة.
أوضح الدكتور بن سالم أحمد عبد الرحمان، في تصريح أدلى به لـ»الشعب»، أن مضمون هذه القرارات يكشف عن توجّه يتجاوز معالجة العراقيل بشكل جزئي، نحو بناء منظومة متكاملة للاستثمار تشمل الإدارة والرقمنة والعقار الصناعي والمنشآت اللوجستية والفنية، حيث تكتسب هذه الإجراءات أهميتها من كونها تستهدف عددًا من النقاط التي تؤثر بصورة مباشرة في سرعة إنجاز المشاريع وفعالية النشاط الاقتصادي.
فكلما تقلصت الآجال الإدارية وتحسّنت إمكانية الوصول إلى العقار وتوفرت منظومة رقمية ومينائية عصرية أصبحت البيئة الاستثمارية أكثر قدرة على استقطاب المشاريع الاستثمارية الكبرى ودعم المؤسسات الوطنية.
وتعكس هذه القرارات الرئاسية، بحسب بن سالم، حرص الدولة الجزائرية على تحويل الإصلاحات الاقتصادية إلى آليات عملية نافذة وذات أثر مباشر على المستثمر والاقتصاد الوطني، ضمن منظومة وطنية استثمارية تقوم على تبسيط الإجراءات، وتحسين أداء الإدارة، وتوفير الظروف الملائمة لتجسيد المشاريع النوعية في شتى القطاعات الطاقية وغير الطاقوية.
الشبــــاك الوحيــد.. مـــن فكـــرة إلى التنفيـــذ
أفاد الدكتور عبد الرحمان، أن تعدّد المتدخلين الإداريين مثّل سابقًا أحد العوامل المؤثرة سلبيًا في سرعة تجسيد المشاريع الاستثمارية. ولذلك، فإن تفعيل الشباك الوحيد بصورة فعلية يحمل أهمية تتجاوز مجرد التنظيم الإداري، فهو يهدف إلى جعل علاقة المستثمر بالإدارة أكثر بساطة ووضوحًا من خلال تقليص عدد المسارات إلى مسار واحدٍ، وتسهيل التنسيق بين مختلف المصالح المعنية بملف المعني.
ويكتسب تحديد نهاية سبتمبر كأجل أخير لوضع الشباك الوحيد حيّز الخدمة الفعلية، قيمة استثنائية؛ لأنه ينقل هذا الإصلاح من مستوى الآلية التنظيمية إلى درجة التنفيذ الميداني. كما يسمح نجاح هذه الخطوة بتقليص الآجال وتحسين نوعية الخدمة المقدمة للمستثمرين، مما يساهم في تعزيز الثقة في المنظومة وتحويلها إلى عامل مساعد على إطلاق المشاريع الإستثمارية بدل أن تكون الإجراءات الإدارية مصدرًا للتأخير والتعطيل، وفقًا له.
الرقمنـة في قلـــب الإصـــلاح الاستثمـــــاري
يعتقد بن سالم أن الرقمنة لم تعد خيارًا تقنيًا منفصلًا عن الإصلاح الاقتصادي، وإنّما أصبحت عنصرًا أساسيًا في تحسين كفاءة الإدارة وتعزيز تنافسية بيئة الأعمال. وبالتالي، فإن رقمنة مختلف عمليات الاستثمار وربطها بمصالح الضرائب وأملاك الدولة والجمارك من شأنه معالجة جزء مهم من مشكلة تشتت البيانات والمعلومات وتعدّد الوثائق والإجراءات بين الإدارات المختلفة.
وتبرز أهمية هذا المسار كذلك، في إمكانية بناء منظومة استثمارية أكثر ترابطًا وقابلية للتّتبع، بحيث تنتقل المعلومات بين المصالح المعنية بصورة أسرع وأكثر دقة، مع تقليص الاعتماد على المعالجة اليدوية البشرية، وتعزيز الشفافية والرقابة وتحسين قدرة الإدارة على متابعة المشاريع في الزمان والمكان، بما ينسجم مع جهود الدولة في تسريع التحول الرقمي وتحديث المرفق العمومي، بحسب قوله.
العقـــار..مـــن مـــورد غــير مستغــل إلى رافعـــة
أكد بن سالم أن توفر العقار الصناعي ومعرفة وضعية الأوعية العقارية، يُعدّ من الشروط الأساسية لتوجيه الاستثمار بصورة فعالة، ما يجعل الإحصاء الشامل له خطوة ذات أهمية استراتيجية. وغياب قاعدة دقيقة ومحدثة حول العقار المتاح قد يؤدي إلى صعوبة تحديد الإمكانات الحقيقية الموجهة للاستثمار، بينما يسمح الجرد الوطني بتكوين رؤية واضحة حول المواقع والمساحات والجاهزية والاستعمال الفعلي.
وتتجاوز أهمية هذه العملية، مثلما أضاف الباحث، مجرد معرفة عدد ومساحة الأوعية العقارية، لتصل إلى تحسين طريقة إدارة هذا المورد وتوجيهه نحو المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية. ومن شأن البيانات التي ستوفرها عملية الإحصاء أن تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن تخصيص العقار، والحد من حالات عدم الاستغلال أو الاستغلال غير الفعال، بما يعزز مبدأ توجيه الموارد الوطنية نحو الاستثمار المنتج وخلق الثروة ومناصب الشغل.
الموانــئ..منظومـة لوجستيـة عالية الكفاءة
كشف الدكتور عبد الرحمان أن الموانئ البحرية، تشكل حلقة أساسية في سلسلة التجارة الخارجية، وتحسين تنظيمها سينعكس مباشرة على تكلفة ومدة وصول السلع والمواد الأولية إلى المؤسسات والأسواق خاصة في مجال التصدير. ومن هنا، تبرز أهمية قرار إعادة تنظيم الموانئ وفق مبدأ التخصّص، باعتباره توجهًا يمكن أن يساهم في توزيع أفضل للأنشطة وتحسين استغلال القدرات الوطنية المتوفرة عبر مختلف المنشآت المينائية.
واستنادًا إلى المصدر ذاته، يتيح التخصص المينائي عند تنفيذه وفق تخطيط فعّال تحسين تدفق البضائع والسلع، وتقليص الاختناقات، ورفع سرعة معالجة العمليات، خاصة بالنسبة للأنشطة ذات الأحجام الكبيرة أو الطبيعة الخاصة. ويمكن أن يدعم هذا الإجراء تنافسية المؤسسات، من خلال تحسين الخدمات اللوجستية، وتقليص التكاليف والآجال. ومنه، تتحول المنظومة المينائية إلى جزء أساسي من سياسة أوسع لتحسين البيئة الاقتصادية والاستثمارية الوطنية.
مينــاء مستغـانم.. تخصّـــص تنظيمـــي جديـــد
أفصح بن سالم أن تخصيص ميناء مستغانم حصريًا لعمليات الاستيراد التي تقوم بها المؤسسات والشركات العمومية، يأتي في إطار السعي إلى توزيع أكثر تنظيمًا لحركة السلع، وربط استعمال البنية التحتية المينائية بطبيعة النشاط الاقتصادي، مشيرا أن هذا التخصص يسمح بإيجاد فضاء مينائي أكثر تركيزًا على احتياجات المؤسسات العمومية، وتسهيل تنظيم العمليات المرتبطة باستيراداتها، وتمكين انسيابية معالجة البضائع.
وتبرز أهمية الإجراء بصورة أكبر عند النظر إليه ضمن مشروع إعادة تنظيم الموانئ ككل، إذ لا يتعلق الأمر بميناء واحد فحسب، وإنما بإعادة توزيع الأدوار والوظائف داخل المنظومة المينائية. ويمكن لهذا التوجه إذا رافقته آليات تسيير ومتابعة فعّالة، أن يسهم في تخفيف الضغط عن المنشآت الأخرى، وتحسين سرعة معالجة عمليات الاستيراد، بما يدعم انتظام تموين المؤسسات العمومية ويعزز كفاءة سلسلة الإمداد الوطنية، وفقًا له.
استثمــــار اقتصــــادي أكـــثر نجاعـــــة وتكامـــــل
تظهر القيمة الحقيقية لهذه الإجراءات والتدابير، بحسب بن سالم، عند النظر إليها باعتبارها حلقات مترابطة ضمن منظومة واحدة، وليس كقرارات منفصلة؛ لأن الشباك الوحيد يعالج جانب تبسيط المسار الإداري، والرقمنة تعزز سرعة وتكامل هذا المسار، بينما يستهدف الإحصاء الشامل للعقار توفير قاعدة أكثر دقة لتوجيه المشاريع النوعية والمثمرة، في حين يأتي إعادة تنظيم الموانئ لتحسين الجانب اللوجستي المرتبط بالنشاط الاقتصادي والتجاري.
هذا التكامل الإجرائي، يترجم توجهًا جادًا نحو معالجة البيئة الاستثمارية من جوانبها الأساسية، مع الانتقال تدريجيًا من معالجة العراقيل إلى بناء منظومة أكثر استباقية وفعالية. كما تؤكد هذه الديناميكية أهمية التنسيق بين مختلف القطاعات والإدارات، لجعل تحسين مناخ الاستثمار مسؤولية مشتركة تتطلب تنفيذًا فعليًا، ومتابعة مستمرة، مع تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على استقطاب المشاريع الإستثمارية المحلية والأجنبية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، وزيادة الإنتاج وخلق القيمة المضافة ومناصب الشغل في دورة الاقتصاد الوطني، يذكر الدكتور عبد الرحمان.
يذكر أن رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أسدى خلال اجتماع عمل خصص لقطاع الاستثمار، تعليمات صارمة لوضع الشباك الوحيد حيز الخدمة الفعلية، نهاية شهر سبتمبر الجاري، بالموازاة مع الإطلاق الفوري لعملية إحصاء تام للعقار الصناعي في البلاد، وقرارات هامة أخرى.



