تعزيـــز دور الفاعلـــين الاقتصاديّـــين الأمريكيّـــين في الســـوق الجزائريــة
تقدير أمريكي للدور المحوري الجزائري في ضمان الأمن والاستقرار
جاءت زيارة المستشار الأمريكي رفيع المستوى مسعد بولس إلى الجزائر، لتؤكّد وضوح الرؤية الجزائرية والأمريكية بشأن مستقبل العلاقات الثنائية، القائمة على شراكة متعدّدة الأبعاد تجمع المصالح الأمنية والاقتصادية، وتفتح آفاقاً أوسع للتعاون في قطاعات جديدة. وأبرزت تصريحاته عقب اللقاءات رغبة مشتركة في دفع العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية نحو آفاق أرحب، خاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية والطاقة، مع مواصلة التعاون في مجال الأمن والاستقرار الإقليميّين.
حملت زيارة المسؤول الأمريكي إلى الجزائر عديد الرسائل، وفق ما صرّح به المستشار مسعد بولس، وفي مقدّمتها تأكيد واشنطن الدور الذي تضطلع به الجزائر باعتبارها شريكاً مهماً في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميّين. ويعكس هذا الموقف تقديراً أمريكياً للدور المحوري الذي تؤدّيه الجزائر في ضمان استقرار محيطها الإقليمي، ورغبة في مواصلة التنسيق بشأن الأولويات المشتركة، والاستفادة من الديناميكية الإيجابية التي تشهدها العلاقات الثنائية، بما يسمح بالارتقاء بها وتوسيع آفاق التعاون لتشمل مجالات وقطاعات جديدة في الاقتصاد والتجارة والطاقة، ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
ويبرز هذا التوجّه رغبة مشتركة في منح البعد الاقتصادي مساحة أوسع في الشراكة الجزائرية ـ الأمريكية، بحسب تصريحات بولس، الذي أكّد أنّ المحادثات شكّلت فرصة لمناقشة «الأولويات المشتركة والعلاقات الثنائية». ويؤكّد ذلك اتّساع أجندة الاتصال بين الطرفين لتشمل مجالات تعاون متعدّدة، إلى جانب الملفات ذات الطابع الظرفي.
شريك أمني مهم
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الجزائر شريكاً أمنياً مهماً في المنطقة، وهو ما جدّد مسعد بولس تأكيده خلال زيارته. وتعود هذه الشراكة إلى عقدين ماضيين، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي بمنطقة الساحل، حيث يمثل التهديد الإرهابي أحد أبرز هواجس أمن الدول.
ويعكس تأكيد بولس أهمية الجزائر في هذا المجال، المكانة التي اكتسبتها بفضل جهودها في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة، في إطار التعاون متعدّد الأطراف مع دول الساحل والمنطقة والقارة عموماً.
ويستند الموقف الأمريكي من مكانة الجزائر في أفريقيا إلى مساعٍ جزائرية حثيثة برزت في مرافعاتها بمختلف المنابر الإقليمية والقارية والدولية، سواء في مجلس الأمن، حيث مثّلت صوت إفريقيا خلال عضويّتها غير الدائمة للفترة 2024 /2025، أو في الاتحاد الإفريقي، بصفة رئيس الجمهورية نصير الاتحاد الإفريقي في مكافحة الإرهاب.
ويشير حضور ملف الأمن الإقليمي ضمن الأولويات المشتركة التي تناولتها المناقشات، إلى استمرار أهمية البعد الأمني في العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية، بالتوازي مع انتقال الاهتمام بصورة أوضح إلى الملفات الاقتصادية.
أولويات المرحلة المقبلة
برز الجانب الاقتصادي للعلاقات الثنائية خلال زيارة بولس كأحد أبرز المحاور التي ركّزت عليها التصريحات المرتبطة بالزيارة، إذ تناول الطرفان «سبل تعميق التعاون الثنائي وتنويعه ليشمل قطاعات جديدة»، مع هدف واضح يتمثل في تعزيز حضور الشركات الأمريكية وتوسيع استثماراتها في الجزائر، إلى جانب الإسهام في رفع حجم المبادلات التجارية بين البلدين.
وتكشف هذه الأولويات عن توجّه نحو تطوير العلاقات الاقتصادية القائمة والبحث عن فرص إضافية للاستثمار والتبادل التجاري. كما تعكس التصريحات وجود إرادة أمريكية معلنة للارتقاء بالعلاقات مع الجزائر، وفتح مسارات جديدة للتعاون وتعزيز حضور الفاعلين الاقتصاديّين الأمريكيّين في السوق الجزائرية.
وتتّجه المرحلة المقبلة إلى تحويل التفاهمات والأولويات التي نوقشت خلال الزيارة، إلى نتائج اقتصادية وتجارية واستثمارية قابلة للقياس، بما يعزّز الديناميكية الإيجابية التي تحدّث عنها الجانب الأمريكي ويدفع بالشراكة بين البلدين نحو مزيد من العمق والتنوّع.
مركزية ملف الطاقة
يحمل الحديث عن توسيع حضور الشركات الأمريكية أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، في ظل سعيها إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية واستقطاب المزيد من الاستثمارات. واحتل قطاع الطاقة موقعاً ضمن المجالات التي ترغب واشنطن في توسيع التعاون بشأنها، بالنظر إلى أهمية هذا القطاع في العلاقات الاقتصادية الجزائرية ـ الأمريكية، باعتباره أحد المجالات التي يمكن أن تستند إليها الشراكة بين البلدين.
وفي هذا السياق، أبدت عديد الشركات الأمريكية العملاقة في مجال الطاقة رغبتها في الاستثمار بالسوق الجزائرية، ويتعلّق الأمر بكل من «إكسون موبيل» التي جدّدت اهتمامها بالسوق الجزائرية، مع التركيز على تطوير الغاز غير التقليدي، و»أوكسيدنتال بتروليوم» الناشطة في حقول أورهود وحاسي بركين، والتي وقّعت مذكّرات تفاهم جديدة مع سوناطراك، إلى جانب «شيفرون» التي تعتبر الجزائر وجهة جاذبة للاستثمار بفضل بنيتها التحتية المتقدمة وشبكات الأنابيب.
وتبرز من خلال مجمل هذه المعطيات ثلاثة محاور كبرى تؤطّر أهداف زيارة المستشار الأمريكي إلى الجزائر، تتمثل في الأمن الإقليمي، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتعميق العلاقات الثنائية وتنويعها. وتكمن أهمية هذا التوجّه في إتاحة المجال أمام بناء علاقة تقوم على مصالح متبادلة في مجالات متعدّدة، مع تركيز واشنطن على زيادة حضور شركاتها في الجزائر، بما يعكس اهتماماً واضحاً بالفرص الاقتصادية التي يوفّرها السوق الجزائري.
ويمثل توسيع الشراكات والاستثمارات الأجنبية أحد المسارات التي يمكن أن تخدم أهداف التنمية وتنويع الاقتصاد، فيما تمنح الديناميكية التي تشهدها العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية مساحة أوسع لتحويل التقارب السياسي والأمني إلى تعاون اقتصادي واستثماري أكثر اتساعاً.



