آفـــــاق لتكريـــــس التعـاون في مجــالات اللّوجستيــك وسلاســل الإمـــــداد
تدخل العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية مرحلة جديدة من الحركية، عنوانها توسيع مجالات التعاون والانتقال بالعلاقات الثنائية من الملفات السياسية والأمنية إلى شراكة اقتصادية أكثر تنوّعاً. ويأتي هذا التوجّه في وقت تؤكّد فيه واشنطن أهمية الجزائر كشريك إقليمي، بينما تعمل الجزائر على استقطاب استثمارات نوعية وفتح أسواق جديدة أمام اقتصادها.
جاءت زيارة المستشار الرفيع للرئيس الأمريكي لإفريقيا والشؤون العربية والشرق الأوسط، مسعد بولس، إلى الجزائر، حاملة رسائل تتجاوز الجانب السياسي، خاصة أنّ برنامج الزيارة شمل لقاءات مع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والوزير الأول سيفي غريب، ووزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف، والرئيس المدير العام لسوناطراك نور الدين داودي.
وأكّد بولس، عقب استقباله من طرف رئيس الجمهورية، أنّ الجزائر تعد شريكاً مهماً للولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإقليمي، وتوسيع الفرص الاقتصادية وتحقيق الازدهار للبلدين، واصفاً لقاءه بالرئيس تبون بالمثمر، ومشيراً إلى أنه شكّل امتداداً لمباحثات سابقة حول الأولويات الإقليمية والعلاقات الثنائية.
وتندرج تصريحات الدبلوماسي الأمريكي ضمن مسار العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية، الذي شهد تطوراً متدرّجاً خلال العقود الماضية. وخلال السنوات الأخيرة، اكتسب الحوار بين الجزائر وواشنطن أهمية أكبر، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الساحل وشمال إفريقيا، وما تفرضه من تنسيق بشأن قضايا الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب وتسوية الأزمات الإقليمية.
وحافظت الجزائر على حوار متوازن مع الولايات المتحدة، يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهو ما وسّع نطاق العلاقة الثنائية من القنوات الدبلوماسية إلى ملفات عملية، في مقدّمتها الطاقة والاقتصاد.
الاقتصاد يبحث عن قفزة جديدة
يتمثل التطور اللافت اليوم في منح التعاون الاقتصادي مكانة أكبر داخل هذه العلاقة، مع بروز حركية متنامية بين الفاعلين الاقتصاديّين في البلدين.ففي ماي 2026، برزت هذه الحركية من خلال مشاركة وفد من مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري في قمة الاستثمار الأمريكية «Select USA»، حيث عقد لقاءات مع مسؤولين أمريكيّين وممثلين عن قطاع الأعمال، وتمّ بحث فرص الاستثمار والشراكة وفتح قنوات جديدة أمام المؤسّسات الجزائرية والأمريكية.
وفي السياق ذاته، اتفق مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري وغرفة التجارة الأمريكية على إعداد برنامج عمل سنوي مشترك لتعزيز التعاون بين مؤسّسات البلدين.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة، كونها تعكس توجّهاً نحو جعل التقارب الاقتصادي عملاً منتظماً ومؤطّراً، بما يسمح بتطوير الاتصالات بين المؤسّسات وتحويل فرص التعاون إلى شراكات ومشاريع.
دفع نحو شراكات رابح ـ رابح
سجّلت المبادلات التجارية بين الجزائر والولايات المتحدة تطوراً خلال السنوات الماضية، ففي 2022، بلغ حجم المبادلات الجزائرية ـ الأمريكية 3.1 مليارات دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة، وتمّ التأكيد حينها أنّ الجزائر أصبحت الشريك التجاري الثالث للولايات المتحدة في إفريقيا.
وتبرز هذه الأرقام الإمكانات التي يمكن أن توفّرها السوق الأمريكية للاقتصاد الجزائري، خاصة في ظل التوجّه الحالي نحو تنويع الشركاء والأسواق.وأكّدت الجزائر في أكثر من مناسبة أنّ توسيع العلاقات الاقتصادية يرتبط أيضاً برفع الاستثمارات وتنويعها، خاصة في القطاعات المنتجة القادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل ونقل التكنولوجيا.وفي هذا المسار، أدى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، دوراً واضحاً في إعطاء العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الدوليّين بعداً جديداً، يقوم على البحث عن الاستثمارات النوعية وتعزيز الإنتاج الوطني ورفع الصادرات خارج المحروقات، في إطار الإصلاحات التي أطلقها لتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز ثقة المستثمر، وفق شراكات تقوم على قاعدة رابح ـ رابح.
الطاقة.. قاعدة صلبة
تبقى الطاقة إحدى أهم ركائز التعاون الجزائري ـ الأمريكي، وهو ما يفسّر اللقاء الذي جمع المسؤول الأمريكي بالرئيس المدير العام لسوناطراك.
وتشهد الشراكة الجزائرية ـ الأمريكية في قطاعي الطاقة والمناجم حركية متزايدة، مع بحث توسيع التعاون في مجالات النفط والغاز والكهرباء. كما يتواصل تطور الشراكة بين سوناطراك وشركات أمريكية كبرى، على غرار «إكسون موبيل» و»شفرون»، خاصة في استكشاف فرص استثمارية جديدة ورفع قدرات إنتاج المحروقات.
وتشمل آفاق التعاون، وفق تصريحات سابقة لوزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب، خفض انبعاثات غاز الميثان، واحتجاز الكربون وتخزينه، إلى جانب نقل التكنولوجيا والتكوين وتبادل الخبرات.
وفي قطاع المناجم، تبرز فرص واسعة أمام الشركات الأمريكية في البحث الجيولوجي واستكشاف واستغلال وتحويل الموارد المنجمية، بما يعزّز الشراكات والاستثمارات المتبادلة بين البلدين.
من المحروقات إلى قطاعات جديدة
يمتد أفق التعاون الاقتصادي إلى قطاعات أخرى، في ظل المناخ الاقتصادي الذي تعمل السلطات العليا في البلاد على تحسينه، بما يفتح المجال أمام شراكات أمريكية في الصناعة والخدمات والرقمنة واللوجستيك وسلاسل التوريد.
وفي هذا السياق، ناقش مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، فرص التعاون في مجالات اللوجستيك وسلاسل الإمداد، إلى جانب عرض التحوّلات التي يعرفها الاقتصاد الوطني والإجراءات المتخذة لتحسين بيئة الأعمال.
ويتقاطع هذا المسار مع توجّه الجزائر نحو جذب الاستثمار المنتج، خاصة بعد الإصلاحات التي مسّت الإطار القانوني للاستثمار، وتوسيع دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، وتسهيل الوصول إلى العقار وتحسين الإجراءات الإدارية.
ويمنح هذا المسار محور الجزائر ـ واشنطن فرصة لترجمة التقارب السياسي والأمني إلى مصالح اقتصادية ملموسة، مع جعل الطاقة قاعدة لشراكة أوسع تمتد إلى الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا والخدمات. وتوفّر الحركية الحالية أرضية لتوسيع حضور المؤسّسات الأمريكية في السوق الجزائرية، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسّسات الجزائرية للوصول إلى السوق الأمريكية، بما يعزّز الشراكة الثنائية على أساس المصالح المتبادلة.



