ثمّة أصدقاء لا يغادرون المكان حين نغادره، ولا تغيب أصواتهم حين تصمت أجسادهم. يظلون عالقين في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد: في كرسيٍّ كان يجلس عليه، في فنجان قهوة لم يكتمل، في قصيدةٍ سمعناها منه ذات مساء، وفي ضحكةٍ ما زالت، رغم كل شيء، تعرف الطريق إلى الذاكرة.
لا أراه في صورة الشهيد وحدها، ولا أتذكره من خلال الموت الذي اختطفه من بيننا؛ أتذكره أولًا شاعرًا وصديقًا صدوقًا، ذلك الإنسان الذي كان يعرف كيف يجعل للكلمة مكانًا بيننا، وكيف يحوّل السهرة العابرة إلى موعد مع الشعر.
كنا نجلس كثيرًا، ونسهر كثيرًا.
كانت غزة يومها، على قسوتها التي نعرفها، تتسع لنا ولأحلامنا الصغيرة. نتحدث ونختلف ونضحك، ثم يخرج سليم بما كتب، كأنما كان يخفي في هاتفه سرًا لا بد أن يبوح به.
كان يقرأ علينا.
فنصغي.
ثم نطرب لما يقول.
لم يكن سليم يقرأ القصيدة بوصفها كلمات مرصوفة على الورق؛ كان يترك شيئًا منه بين سطورها: شيئًا من روحه، من قلقه، من حبه للمدينة، ومن ذلك الحزن النبيل الذي يسكن الشعراء الحقيقيين.
لم نكن نعرف أن تلك الجلسات التي تبدو عادية ستصبح، بعد كل ما جرى، من أثمن ما تختزنه الذاكرة.
ثم جاءت الحرب.
والحرب لا تكتفي بأن تهدم البيوت؛ إنها تهدم أيضًا خرائط اللقاء.
تفرّق الجميع. وحين نزح الجميع، تفرّق الجميع أكثر. لم تعد غزة مدينة واحدة تجمع الأصدقاء، بل صارت طرقًا للنجاة، ومناطق للنزوح، وخيامًا وأماكن مؤقتة، ووجوهًا تبحث عن وجوه.
ذهب كل واحد في اتجاه، يحمل ما استطاع من بيته، ويحمل في داخله ما لا يستطيع حمله على كتفيه: ذاكرته، وأصدقاءه، وأيامه القديمة.
ثم كان ما كان مع سليم وعائلته.
وهنا يصبح الكلام أثقل من أن تحمله اللغة.
سليم الذي كان يكتب عن الحياة، وجد نفسه في قلب موتٍ لم يمنح الشاعر فرصة أن يكتب مرثاته. والشاعر الذي طالما جعل من القصيدة بيتًا، لم يجد هذه المرة بيتًا يحتمي به.
غاب سليم.
لكن غيابه لم يكن نهاية حكايته.
ففي مكان آخر، كان هناك شاعر وصديق يحمل سليم بطريقة مختلفة.
ناصر عطالله.
لم يكن ناصر معنا في تلك السهرات، ولم يكن جزءًا من تفاصيلها اليومية التي أستعيدها الآن؛ كانت له مع سليم صداقته ومساحته الخاصة، وكان يعرفه من جهة أخرى، جهة الشاعر للشاعر، والصديق للصديق.
وحين غادر ناصر البلاد، لم يغادر ذاكرته.
ظل سليم هناك؛ في الذاكرة، وفي الشعر، وفي ذلك الوفاء الذي لا يحتاج إلى حضور المكان كي يستمر.
ومن هذا الوفاء جاء «صائد الأمواج».
ليس الكتاب، في ظني، سيرة شاعر شهيد فحسب؛ إنه محاولة صديق مخلص لأن ينقذ صديقه من النسيان، وأن يعيد إليه حقه في أن يُذكر كما كان، لا كما اختصرته الحرب في صورة شهيد.
وهذا فرق كبير.
فالشهيد الذي نعرفه من الخبر والصورة والتاريخ هو لحظة واحدة من حياة الإنسان، أما سليم الذي عرفناه فهو حياة كاملة: شاعرًا، وصديقًا، وحالمًا، وإنسانًا كانت له ضحكته وصوته وقلقه وقصيدته وأصدقاؤه.
ناصر لم يسمح للموت أن يكون الكلمة الأخيرة.
أمسك ذاكرته، وراح يكتب.
وما أجمل أن يكتب شاعرٌ شاعرًا؛ لأن الشاعر يعرف أن الإنسان لا يسكن في سيرته وحدها، بل في ظلال كلماته، وفي الأشياء الصغيرة التي تركها وراءه، وفي أثره على الذين أحبوه.
لهذا أرى «صائد الأمواج» فعل وفاء قبل أن يكون كتابًا.
فناصر، الذي غادر البلاد حيًا، حمل معه شيئًا من غزة، وحمل معها سليمًا. وربما كان هذا الكتاب أحد أشكال العودة؛ عودة إلى صديق غاب، وإلى مدينة تفرقت بنا، وإلى زمن لم نكن ندرك، ونحن نعيشه، أنه سيصبح ذات يوم بعيدًا إلى هذا الحد.
ثمة مفارقة موجعة في الحكاية:
سليم رحل عن المكان ولم يستطع الرحيل عنه. وناصر رحل عن المكان، لكنه استطاع أن يحمل المكان معه.
أما نحن، الذين بقينا هنا، فما زلنا نتعلم كيف تصبح الذاكرة وطنًا حين تضيق بنا الأمكنة.
ولهذا، حين أفتح الذاكرة على سليم، لا أستحضر الشهيد وحده.
أستحضر ذلك الشاب الذي كان يجلس بيننا، يفتح هاتفه، ويقول ببساطة: «اسمعوا… هذه قصيدة جديدة»
فنصمت.
ونصغي.
ونطرب.
لم نكن نعرف أن القصيدة الأخيرة قد تصبح يومًا ذكرى، وأن السهرة التي امتدت حتى آخر الليل في «بيت ستي» قد تصبح مكانًا لا نستطيع العودة إليه، وأن صديقًا كان بيننا بالأمس قد يصبح اليوم اسمًا على غلاف كتاب.
لكن ناصر عرف ما لم نعرفه نحن في ذلك الوقت:
أن سليم لا ينبغي أن يتحول إلى ذكرى صامتة.
فكتب.
وكتب لا ليعيد سليم من الموت، فالموت لا يعيد أحدًا، وإنما ليعيده إلى مكانه الطبيعي في الذاكرة: شاعرًا حيًا في قصيدته، وصديقًا حاضرًا في قلوب من عرفوه، وإنسانًا لم تستطع الحرب أن تمحو أثره.
هكذا يصبح «صائد الأمواج» أكثر من كتاب عن سليم النفار.
إنه كتاب عن الوفاء حين يصبح الكتابة، وعن الصداقة حين تتجاوز المسافة، وعن غزة حين لا تعود قادرة على جمع أبنائها إلا في الذاكرة.
رحم الله سليم النفار، الشاعر الصديق الصدوق، الذي غاب جسده وبقي صوته.
وحفظ الله ناصر عطالله، الشاعر والصديق الوفي المخلص، الذي غادر البلاد ولم يترك صديقه خلفه.
وفي آخر الأمر، ربما لم يكن ناصر يكتب عن سليم بقدر ما كان يقول له، من وراء المسافة والموت:
ما زلت هنا يا سليم…ما زالت قصيدتك معنا.







